بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وجعله هاديًا ونذيرًا، ومرشدًا لمن تمسك به واعتمد عليه في موالاته ومعاداته، فهو له سراجاَ منيرًا، وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك، ومن كان لهم مؤيدًا ونصيرًا، والصلاة والسلم على أشرف خلقه، وخيرة رسله محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي مزق الله بمبعثه ظلام الكفر، وجعل من هديه مباينة الشرك والمشركين جملةً وتفصيلًا، وعلى آله وأصحابه الذين تحابوا في الله حبًا أرغموا به أُنوف الأعداء وجاهدوا به الكفار والمنافقين جهادًا كبيرًا، وتميزوا به عن أهل الضلال، فلم يرضوا منهم بأنصاف الحلول سبيلًا.
أما بعد: فإن أصل دين الله هو التوحيد، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} سورة النحل: (36) ، وقد فهم عُتاة الكافرين حقيقة دعوة الأنبياء والرُسل أكثر من المسلمين المزعومين اليوم، فها هم مشركوا قُريش يُبدون عجبهم من هذه الحقيقة {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} سورة ص: (5) ، فالكفار فهموا أن دعوة رسولهم الجليلة ليست إلى عبادةٍ الله ولكن إلى عبادة الله وحده والكفر بكل معبود سواه، فعبادة الله وحده لا تتحقق إلاَّ
بالاجتناب والكفر بمن تعدى على ربوبية أو إلهية من له الخلق والأمر، والإنسان لا يصير مؤمنًا بالله إلاَّ بالكفر بالطواغيت ومعاداتهم ومعاداة كل الصفات الطاغوتية وأهلها ومن يُروج لها من
أهل الردّة والنفاق.
وتأمل حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قام يُنذر المشركين عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا واستحسنوا، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذٍ شمروا لهُ ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا.
وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وجميع المسلمين سلفًا وخلفًا، أن المرء لا يكون مسلمًا إلاَّ بالتجرد من الشرك الأكبر والبراءة منه وممن