فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 389

سبحانه نصر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ـ دون عدد وعدة ـ على كفار مكة أثناء هجرته، فردّهم سبحانه بهذا أيضا إلى الأمر الأول الذي ينبغي ألا يغيب عن الأذهان وهو {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .

ومثل هذا قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} سورة الأنفال: (17) ، فنسب الله سبحانه الرمي إليهم {إِذْ رَمَيْتَ} تنبيها على وجوب الأخذ بالأسباب، ونسب سبحانه التسديد والإصابة إليه جل وعلا {وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} ، {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ليبين سبحانه أن النصر منه وحده، والتوفيق منه وحده لا بالأسباب فإنها وإن وجبت لا تغني شيئا بنفسها.

الأول: أنه إذا كان النصر بيد الله وحده، فإن ما عند الله تعالى لا يؤخذ إلا بالأسباب التي شرعها في هذا المقام، وذَكَرنا في أول موضوع الإعداد الإيماني أن الله سبحانه تكفل بنصر المؤمنين الذين ينصرون دينه، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} سورة الروم: (47) ، وقال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ} سورة الحج: (40) ، وذكرت هناك أنه يلزم إعدادان (إيماني ومادي) كشرط لاستحقاق هذا النصر، وهذا معناه جهد وبذل ودعوة وصبر متواصل أردت من هذا تنبيه الغافلين القاعدين الكسالى الذين يتمنون على الله الأماني ويرجون نصر الله وهم لم ينصروا دينه بشيء، كما أردت تنبيه أولئك الزائغين الذين يتصدون للعمل الإسلامي في هذا الزمان ولا يسلكون سبيل الجهاد المتعين ولا يأخذون بالأسباب التي شرعها الله لنصرة الدين، قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} سورة الإسراء: (19) .

التنبيه الثاني: وهو لأولئك الآيسون من رحمة الله، الذين آيسوا من أن ينهض المسلمون مما هم فيه من الذل والهوان، الذين آيسوا من أن يتمكن المسلمون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت