الفصل السادس: قيام الحُجة [1]
ـ قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم.
إلى الإخوان، سلام عليكم ورحمه الله وبركاته، وبعد: ما ذكرتم من قول الشيخ، كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحُجة؛ وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحُجة، فهذا من العجب، كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارًا؟! فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يُعرَّف.
وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حُجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحُجة [2] ، ولكن أصل الإشكال، أنكم لم تُفرقوا بين قيام الحُجة، وبين فهم الحُجة [3] ، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين، لم يفهموا حُجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} سورة الفرقان: (44) .
وقيام الحُجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها، إن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج:"أينما لقيتموهم فاقتلوهم"وقوله:"شر قتلى"
(1) المراد بقيام الحجة ليس إثبات وصف الكفر لمن تلبس به، ولكن لاستحقاق العذاب يوم القيامة.
(2) من منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه لا يعذر في المسائل الظاهرة، مثل الطواف، والسجود، والدعاء، والذبح، والحكم بغير الشرع، إلاَّ حديث عهد بالإسلام، أو رجل نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام، ولا يعذر إلاَّ في المسائل الخفية، حيث لا يُكفر من فعلها حتى يُقيم عليه الحجة، وبذلك يتبين لك ضلال من يعذر في المسائل الظاهرة. وأما من مات على الشرك حتى ولو لم يبلغه الإسلام فهو مشرك، ولا يُسمى مسلم بالإجماع، هذا حكمه في الدنيا، والخلاف هل يُعذب يوم القيامة؟ والصحيح أنه لا يُعذب لقوله سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، فإن الله لا يُعذب أحدًا يوم القيامة حتى يُقيم عليه الحجة، وحكمه في الدنيا أنه مشرك، وحكمه في الدنيا شيء وفي الآخرة شيء آخر، فانتبه يا طالب الحق.
(3) وفهم الحجة شيء وقيامها شيء آخر، ويغلط في ذلك كثير من طلاب العلم، لأن فهم أبو بكر وعمر غير فهمي وفهمك، وهذافرق شاسع وواضح، إذ لا يُشترط فهم الحجة.