فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 389

قال أحمد: حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن عبد الله عن سليمان بن هرمز عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن أحب شيء إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجتمعون إلى عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة".

وفي حديث آخر"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سُنتي، ويُعلمونها الناس".

وقال نافع عن مالك (( دخل عمر بن الخطاب المسجد، فوجد معاذ بن جبل جالسًا إلى بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يبكي، فقال له عمر: ما يُبكيك، يا أبا عبد الرحمن؟ هلك أخوك؟ قال: لا، ولكن حديثاُ حدثنيه حبيبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنا في هذا المسجد، فقال: ما هو؟ قال: إن الله

يُحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا، وإذا حضروا لم يُعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كُل فتنه عمياء مظلمة )) .

فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولِقلتهم في الناس جدًا: سُموا (غرباء) فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السُنَّة ـ الذين يُميزونها من الأهواء والبدع ـ فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين: هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًا فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين، الذين قال الله عزَّ وجلَّ فيهم: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} سورة الأنعام (116) فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المُشار إليهم، كما قيل:

فليس غريبًا من تناءت ديارهُ ... ولكنَّ من تَنأيْنَ عنهُ غريبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت