البلد أجنبي عن المسلم فيه، وهذا من أنكر المنكرات فالمسلم أخو المسلم وإن تباعدت ديارهما.
ومن الروابط الجاهلية، رابطة القومية، وهي الإنتماء لجنس معين وقوم بأعينهم، يغضب لهم المرء ويقاتل من أجلهم ويعلى هذه الرابطة على ما سواها، وهذه هي دعوى الجاهلية التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"دعوها فإنها خبيثة"رواه البخاري عن جابر، وحَكَم - صلى الله عليه وسلم - على أن من قاتل من أجلها بأن"ميتته ميتة جاهلية"رواه مسلم، وهذه الرابطة القومية هي المشار إليها في آية التوبة السابقة بقوله تعالى: {وَعَشِيرَتُكُمْ} وفيها الوعيد على من قدمها على مرضاة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلا بأنبيائه لما تبرأوا من أقوامهم الكافرين، قال تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} سورة هود: (46) ، وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} سورة الممتحنة: (4) . وهذه الآيات تبين أن الرابطة الشرعية هي الإيمان بالله وحده ولا اعتبار لأي رابطة سواها، فالموالاة والمعاداة متعلقتان بالإيمان {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .
ومن الروابط الجاهلية رابطة اللغة الواحدة أو اللون أو المصالح المشتركة وهي المذمومة في قوله تعالى: {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} سورة التوبة: (24) ، كل هذه الروابط لا اعتبار لها خاصة عندما تتعارض مع ما تقتضيه أحكام الشريعة. وما أُبْرِزَت هذه الروابط إلا بأيدي الكافرين لتفريق المسلمين وإشعال العداوات بينهم، وهو ما حذرنا الله تعالى منه بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ـ إلى قوله تعالى ـ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ـ إلى قوله تعالى ـ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} سورة آل عمران: (100 - 105) ، وقال تعالى: {إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} سورة آل عمران: (149) .