لقد كان عبد المطلب ـ على كُفره ـ أعلم بالله وبقدرته من هؤلاء، وذلك عندما قال لأبرهة (إن للبيت ربا سيمنعه) ، وعندما هلك جيش أبرهة بالطير الأبابيل وفر بعضهم هاربين، قال دليلهم:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
الأشرم هو أبرهة (سيرة ابن هشام ط صبيح 1/ 33 ـ 35) .
قال تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ - الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ - فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ - فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ - إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} سورة الفجر: (10 - 14) ، كم قتل فرعون من أبناء بني إسرائيل خشية على نفسه وملكه، ثم ربى في بيته من كان هلاكه على يديه، ولا يغني حذر من قدر، والله من ورائهم محيط، قال تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} سورة يوسف: (21) ، وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة المجادلة: (21) .
إن حصون الكافرين من الله لا تمنع، وإن الجيوش مع بطشه لا تنفع، وإن الأموال عنده لا تشفع، وإن المكر والخديعة لقدرته لا تدفع، قال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ - فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ - فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} سورة النمل: (50 - 52) .
وأعوذ فأذكِّر بأن فشلنا ذاتِيّ الأسباب في المقام الأول {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وبأن التغيير لابد أن يبدأ أيضا من الذات، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
سورة الرعد: (11) . إن الله تعالى إنما سلط علينا الكافرين لما عملنا بمعاصيه كما سلط كفار المجوس على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله، قال تعالى: {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا} سورة الإسراء: (5) .
ويلزمنا للتغيير والإصلاح أمور ثلاثة: منهج صواب، وصدق في اتِّباع هذا المنهج، وإخلاص
النية في هذا كله.