فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 384

توطئة

في كيفية دلالة اللفظ على المعنى

اللفظ قسمان: مفرد ومركب. فالمفرد هو الكلمة. والمركب، أقسام عدة [1] ، والذي يعنينا منه هو المركَّب المفيد لفائدة تامَّة يحسن السكوت عليها، أي: الجملة المفيدة؛ لأنه ينبغي أن لا يطلق النص والخطاب على ما دون الجملة المفيدة والله أعلم.

فإذا تقرر هذا، فاعلم بأن اللفظ، مفردا ومركبا، إن هو إلا رمزٌ للمعنى. فالمفرد رمز تواضعت الجماعة اللغوية عليه. والمركب رمزٌ تواضعت الجماعة اللغوية على كيفية تركيبه، أي على القاعدة النحوية التي يسير عليها أو القَالَب التركيبي الذي يُصاغ فيه، والخطاب أو النص الذي ينجزه المتكلم في مقام ما مكون من خليط من هذين الرمزين المتواضع عليهما، فهو قالَبٌ تركيبيٌ محشوٌ بالكلمات. ودور المتكلم هو فقط أن يختار هذا القالب أو ذاك، وهذه الكلمة أو تلك، بغيةَ أن يُعبِّر عمَّا يريد. ولقد شُبِّه الكلامُ برقعة الشطرنج [2] : فالأحجار هي الكلمات، وقواعد اللعب هي قواعد التركيب، ولِلاعب، وهو المتكلم، حرية الاختيار بأن يحرِّك الحجر الذي يريد إلى المكان الذي يريد، لكن وفق قواعد اللعبة. ولذا فإن ما قاله القرافي: إنّ العرب (( حَجَرت في التراكيب كما حَجَرَت في الكلمات ) ) [3] ، صحيح، لكن ينقصه أن نكمله بالقول: وتركت حرية الاختيار من هذا وذاك إلى المتكلم. ولهذا عقَّبه الزركشي

(1) المفرد (( في اصطلاح النحاة هو: الكلمة الواحدة [كزيد] ... وعند المناطقة والأصوليين: لفظ وُضع لمعنى، ولا جزء لذلك اللفظ يدل على جزء المعنى الموضوع له، فشمل ذلك أربعة أقسام: الأول: ما لا جزء له البتة، كباء الجر. الثاني: ماله جزء، ولكن لا يدل مطلقا، كالزاي من (( زيد ) ). الثالث: ماله جزء يدل، لكن لا على جزء المعنى، كـ (( إن ) )من حروف (( إنسان ) )، فإنها لا تدل على بعض الإنسان، وإن كانت بانفرادها تدل على الشرط والنفي. الرابع: ماله جزء يدل على جزء المعنى، لكن في غير ذلك الوضع، كقولنا (( حيوان ناطق ) )عَلَمًَا على شخص )) .

والمركَّب: (( عند النحاة: ما كان أكثر من كلمة، فشمل التركيب المزجي: كـ (( بعلبك ) (( سيبويه ) (( خمسة عشر ) )ونحوها، والمضاف ولو عَلَمًَا [كـ (( عبد الله ) )] . وعند المناطقة والأصوليين: ما دل جزؤه على جزء معناه الذي وُضع له، فشمل: الإسنادي كـ (( قام زيد ) )، والإضافي كـ (( غلام زيد ) )، والتقييدي كـ (( زيد العالم ) ). وأما نحو (( يَضْرب ) )فمفرد على مذهب النحاة، ومركب على مذهب المناطقة والأصوليين؛ لأن الياء منه تدل على جزء معناه، وهو المضارعة )) . ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 1، ص 108،109.

والمركب، أيضا: (( إما تام، وإما غير تام. فأما التام: فهو الذي يحسن السكوت عليه، ويُسمى كلاما. قال الزمخشري: و [يُسمَّى] جملة. والصواب: أن الجملة أعم من الكلام، لأن شرط الكلام الإفادة بخلاف الجملة؛ ولهذا يقولون: جملة الشرط، جملة الجواب، وهو ليس بمفيد، فليس كلاما ) ). الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 63. وانظر: الزمخشري: أبو القاسم محمود بن عمر، المفصل في علم العربية، دار الجيل، ط 2، ص 6. وعمايرة، في نحو اللغة وتراكيبها، ص 74.

(2) انظر: حسَّان: تَمَّام، اللغة العربية مبناها ومعناها، دار الثقافة، الدار البيضاء، ص 316.

(3) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت