فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 384

بقوله: (( الحق: أن العرب إنما وضعت أنواع المركبات، أما جزئيات الأنواع فلا، فوضعت باب الفاعل لإسناد كل فعل إلى من صدر عنه، أما الفاعل المخصوص فلا، وكذلك باب إن وأخواتها، أما اسمها المخصوص فلا، وكذلك سائر أنواع التركيب، وأحالت المعيّن على اختيار المتكلم ) ) [1] . أي تركت تعيين الكلمات ضمن نوع التركيب إلى اختيار المتكلم.

و (( اللفظ ) )ـ مفردا ومركبا ـ الدال على (( شيء ) )ما، لا يُفضي إلى هذا (( الشيء ) )مباشرة، بل بعد المرور بواسطتين هما: الصورة السمعية للفظ، والصورة الذهنية للشيء. وإليك بيانهما [2] .

فأما الصورة الذهنية للشيء: فهي مجموعة الآثار أو الانطباعات التي يتركها الشيء في ذهن المرء عند اتصال حواسه به. فتثبت هذه الآثار أو الانطباعات في الذهن حتى بعد زوال الشيء أو انعدامه. فمثلا عند تعامل الشخص ـ ولْنفرضْه طفلا ـ مع أَوَّلِ تفاحَّة في حياته ينطبع لهذه التفاحة صورةٌ ذهنية ما في دماغه تمثل مجموعة الخبرات التي أحس بها لهذه التفاحة من شكل ولون وطعم وحجم وملمس ورائحة وغير ذلك. ومن الدليل على انطباع هذه الصورة في الدماغ أن الشخص يستطيع أن يستحضرها في دماغه بعد أن تختفي التفاحة أو تنعدم بأكله لها مثلا. ومن الخصائص المهمة للغاية للصورة الذهنية، أنها قد تتحول بعد فترة من الزمن، من صورة مفصَّلة تفصيلا لا ينطبق إلا على شيء مُشَخَّص واحد، إلى صورة أخرى تفتقد إلى الكثير من التفاصيل بحيث تنطبق على أشياء كثيرة تندرج تحت جنس واحد، فتكون صورة مطلقة ومجرَّدة. فمثلا بعد رؤية الطفل، آنف الذكر، التفاحةَ الأولى وأكلِه لها، تتشكل لديه صورةٌ ذهنية تفصيلية لهذه التفاحة، وبمرور الوقت يبدأ دماغه في نسيان أجزاءٍ وتفاصيلَ من هذه الصورة، لكن عند رؤيته تفاحة أخرى، ولربما تكون مختلفة عن الأولى بعض الشيء، تُنعَشُ التفاصيلُ التي نُسيت أو نُسي بعضها، لكنْ لا جميع التفاصيل، وإنما فقط ما هو مشترك بين التفاحتين الأولى والثانية، لأن ما يُنعش في الذاكرة هو ما يتكرر فقط ولا يتكرر إلا المشترك، ثم تُتناسى بعض هذه التفاصيل ثانيةً، فإذا رأى تفاحة ثالثة، ربما تباين الأوليين، تُنعش في الذهن التفاصيل المشتركة بين الثلاث مرة أخرى. وهكذا كلما تكررت خبرته بتفاحة جديدة تأكدت المعالم المشتركة بينها وبين سابقاتها ونُسيت المعالم التي تنفرد بها كل واحدة منها. وفي المحصلة تتكون في ذهن هذا الطفل ـ نتيجة احتفاظه بالقواسم

(1) الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 12.

(2) انظر: دي سوسير: فردناند، فصول في علم اللغة العام، ترجمة أحمد الكراعين، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، ص 121 ـ 124. وغيرو: بيار، علم الدلالة، ترجمة أنطوان أبو زيد، منشورات عويدات، بيروت-باريس، ط 1، 1986 م، ص 23 ـ 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت