فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 384

ثالثا: أن السهمين الأسودين: الممتد بين الصورة الذهنية للشيء والشيء، والممتد بين الصورة السمعية للفظ واللفظ، واللذان يقعان على يمين ويسار الرسم هما من القوة بمكان. وأعني بقوتهما: سرعة إدراك الذهن لأحد طرفي أي من السهمين إذا أدرك الطرف الآخر تماما. أي أن الشيء إذا أدرك تماما فإنه يفضي إلى صورته الذهنية بسرعة هائلة لا يكاد المرء يستشعرها، والعكس صحيح. وكذلك اللفظ إذا أُدرك تماما فإنه يفضي إلى صورته السمعية بسرعة هائلة لا يكاد المرء يستشعرها. وإنما يحصل بطء الإفضاء، أحيانا، في هاتين العمليتين، في حالة إذا لم يُدرك الشيء أو اللفظ تماما. كأن ترى شيئا من بعيد فتحتار في ماهيته أهو رجل أم امرأة أم حيوان أم شجرة. أو كأن لا تسمع الكلمة جيدا فتخمِّن كونها كذا أو كذا. لكن إذا تحقق الإدراك التام للشيء أو اللفظ فلا مشكلةَ ولا بُطءَ أبدا في سرعة إفضاء كل منهما إلى صورته.

وإنما المشكلة ـ وهذا هو بيت القصيد ـ هي في السهم المستعرض الواصل بين الصورة السمعية للفظ، والصورة الذهنية للشيء، وهو الذي يعبر عن سرعة إفضاء كل منهما إلى الآخر. فهذا السهم حتى لو كان طرفاه: الصورة الذهنية للشيء والصورة السمعية للفظ، معلومين تمام العلم في الذهن فقد تكون علاقة إفضاء كل منهما إلى الآخر بطيئة، أو بطيئة جدا، بل تصل أحيانا إلى حد التوقف.

والعلة في تفاوت هذا السهم في القوة بحسب اختلاف الألفاظ، هو أن الصورة السمعية للفظ قد ترتبط ـ في الدماغ ـ بأكثر من صورة ذهنية للشيء، فمثلا اللفظ، (( عين ) )، يرتبط ـ عن طريق صورته السمعية ـ بأكثر من صورة ذهنية مختزنة له في الدماغ، فمن الصُّور الذهنية المختزنة له، كما هو معروف: الصورة المجردة للعين الباصرة، والصورة المجردة لعين الماء، والصورة المجردة للجاسوس، والصورة المجردة للرجل الوجيه في قومه، وغير ذلك. فعندما يسمع المرء هذا اللفظ هكذا معزولا عن السياق، أو في سياق غير واضح كقول أحدهم: رأيت عينا، فإنه لا يستطيع أن يقف على المراد من اللفظ تحديدا؛ لأن الذهن يستعرض كل الصور الذهنية المرتبطة لديه بالصورة السمعية للفظ فيجد بأن كلا منها محتمل لأن يكون مرادا للمتكلم، ومن هنا ينشأ الغموض في هذا اللفظ. وبالذات من ضعف أو بطء أو انعدام إفضاء صورته السمعية إلى صورة محددة من الصور الذهنية المختزنة في الدماغ إزاءه. بينما اللفظ (( خمسة ) )لا يرتبط ـ عن طريق صورته السمعية ـ إلا بصورة ذهنية مجردة واحدة، هي العدد خمسة، وعليه، فإنه إذا أُطلق لم يحصل في الذهن تردد وعرض للاحتمالات كما حصل بالنسبة للفظ السابق. ومن هنا جاءت القوة في إفضاء هذا اللفظ إلى صورته الذهنية، ومن ثَم إلى الشيء الخارجي.

وعليه، كان هذا السهم بالذات، والذي يُعبر عن علاقة الإفضاء بين صورتي اللفظ والشيء، بحسب قوته، هو الذي يحدد لنا درجة وضوح اللفظ في معناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت