(( من نفى الوضع للمعنى الخارجي: إن أراد أنها لم تُوضع للدلالة على الموجودات الخارجية ابتداء من غير توسُّط الدلالة على المعنى الذهني، فهذا حق؛ لأن اللفظ إنما يدل على وجود المعنى الخارجي بتوسُّط المعنى الذهني. وإن أراد أن الدلالة الخارجية ليست مقصودة من وضع اللفظ فباطل، لأن المخبر إذا أخبر غيره بقوله: جاء زيد، فإن قصده الإخبار بمجيئه في الخارج ) ) [1] .
والذي أريد الإشارة إليه في الرسم السابق ما يلي:
أولا: أن الدلالة عكسية، بين اللفظ والشيء، أي أن كلا منهما يدل على الآخر. وهذا واضحٌ؛ إذ أنّا بسماع اللفظ يمكننا تذكُّر الشيء، وبرؤية الشيء أو العِلْم به يمكننا تذكر اللفظ الذي يدل عليه. والذي يحصل في ذهن المتكلم إذا أراد الكلام هو الانطلاق من الشيء إلى اللفظ ـ مرورا بالواسطتين طبعا ـ وذلك لأنا إذا أردنا الكلام استحضرنا المعاني أولا ثم بحثنا عن الألفاظ التي ترتبط بها، أما المتلقي فيحصل في ذهنه العكس. أي أن ذهنه، عند السمع، يستدعي الصور السمعية للألفاظ أولا، ثم يبحث عن الصور الذهنية المرتبطة بها.
ثانيا: أن القسم الأعلى من الرسم، والذي يقع فوق الخط المنقَّط، يضم موجودات ذهنية: الصورة الذهنية للشيء، والصورة السمعية للفظ. وأما القسم الأسفل، والذي يقع تحت الخط المنقَّط، فيضم موجودات خارجية: اللفظ والشيء. ولا يُشترط دوما في الألفاظ أن تدل على أشياء خارجية، إذ إن كثيرا من الألفاظ التي نستخدمها في حياتنا، إنما نطلقها مريدين بها فقط الصورة الذهنية: كالألفاظ المجردة من قبيل: الجمال، السعادة، الحرية، الظلم، العدل، النزاهة، الخبث ... الخ وغير ذلك من المجردات التي لا يتعين لها وجود حقيقي في الخارج، بل وحتى هي في الذهن تختلف من شخص لآخر.
(1) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 12. هذا، ولقد غفل أو تغافل د. نصر أبو زيد عن وقوف الفكر اللغوي الإسلامي على العلاقة غير المباشرة بين اللفظ والمعنى، فقال: (( وظل الفكر اللغوي يرى العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة اصطلاح مباشرة حتى جاء العالم السويسري (( ألفرد دي سوسير ) )، في كتابه المهم (( محاضرات في علم اللغة ) )، وأضاف إلى مفهوم العلامات بعدا جديدا، حيث ذهب إلى أن العلاقة بين (( اللفظ أو الدال ) )و (( المعنى أو المدلول ) )علاقة اصطلاح، لكنه عمّق مفهوم (( الدال ) )ومفهوم (( المدلول ) )، بعيدا عن مسألة اللفظ والمعنى ... )) أبو زيد، النص، السلطة، الحقيقة، ص 79. وهذه سقطة تاريخية هائلة تُضاف إلى سقطاته الأخرى، وذلك لأن توسط (( الصورة الذهنية للشيء ) )بين اللفظ والشيء مسألة معروفة، لا منذ العهد الإسلامي فحسب، بل ومنذ العهد اليوناني، كما تشير إلى ذلك معظم كتب الدلالة. فإن قيل: إنما عنى أبو زيد بقوله السابق أن دي سوسير اكتشف، بالإضافة إلى توسط (( الصورة الذهنية للشيء ) )، توسطَ (( الصورة السمعية للفظ ) )، وهذا لم يقله أحدٌ من قبل، فهذا هو السبق التاريخي الذي يُسجل له. فنقول: على الرغم من أن كلام (( أبو زيد ) )لا يدل على هذا من قريب أو بعيد، فقد وجدنا ابن سينا يقول من قَبْل دي سوسير بقرون: (( معنى دلالة اللفظ: أن يكون إذا ارتسم في الخيال مسموعُ اسم ارتسم في النفس معناه، فتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم، فكلما أورده الحس على النفس التفتت النفس إلى معناه ) ). ابن سينا: أبو علي حسين بن عبد الله، الشفاء ـ المنطق، تحقيق محمود الخضري، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ج 3، ص 4. فانظر كيف صرّح ابن سينا بتوسط (( مسموع الاسم ) )بين اللفظ والمعنى.