فناقص الوصف مثاله: لحم السمك بالنسبة إلى عموم اللحم، فمن حلف (( لا يأكل لحما ) )، فإنه لا يقع على السمك، وهو لحم في الحقيقة، لكنه ناقص، لأن اللحم اسم معنوي يدل، في أصل اشتقاقه، على الشدة والقوة، وهذا إنما يكون باعتبار تولده من الدم الذي هو أقوى الأخلاط في الحيوان، فما لا دم له، كالسمك، قاصرٌ من وجه، فخرج عن مطلق اللفظ العام، بدلالة أصل اللفظ.
وزائد الوصف مثاله: الرُّطب، والعنب، بالنسبة إلى عموم الفاكهة، فمن حلف (( لا يأكل الفاكهة ) )، فأكل رطبا أو عنبا، فإنه لا يحنث عند أبي حنيفة، رحمه الله تعالى؛ لأن الفاكهة اسمٌ للتوابع لا لما يقع به القِوام، لأنه مأخوذٌ في أصل اشتقاقه من التفكُّه، وهو التنعم، وذلك أمرٌ زائد على ما يقع به القِوام فصار تابعا، والرطب والعنب قد يصلحان للغذاء والتقوُّت. وإذا كانا كذلك كان فيهما وصف زائد. وبالتالي فإنهما يخرجان عن مطلق اللفظ العام.
وأما القرينة الثالثة: وهي سياق النظم. فمثالها: قولُه، تعالى،: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} (الكهف:29) فإنا تركنا حقيقتي الأمر والتخيير في هذه الآية وحملناهما على الإنكار والتهديد لقرينة قوله، تعالى، في سياق نفس النص: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} . ومثاله، أيضا، لو قال رجل لآخر: (( اصنع في مالي ما شئت، إن كنتَ رجلا ) )، لم يكن هذا توكيلا، لأن الكلام للتهديد بدلالة قوله في السياق: (( إن كنت رجلا ) ).
وأما القرينة الرابعة: وهي دلالةٌ من قِبَل المتكلم أو قُل: (( حال المتكلم ) ): فمثالها: قولُه تعالى، مخاطبا الشيطان: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (الاسراء:64) فإنه لا يُحمل على حقيقة الأمر، لأن الله، تعالى، يستحيل عليه الأمر بمعصية، وإنما يُحمل على إمكان الفعل وإقدار اللهِ، تعالى، الشيطانَ عليه.
وأما القرينة الخامسة: وهي دلالة محل الكلام، ومحل الكلام هو (( الْمُخبَر عنه ) )، أو هو المدلول الخارجي للفظ. فمثالها: قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} (فاطر:19) فإنه لا يُحمل على العموم كما هو مقتضى ما النافية، أي: على أن الأعمى والبصير لا يستويان في كل شيء، وذلك لأن الواقع الخارجي للأعمى والبصير لا يُصدِّقُ هذا العموم، لأنهما قد يستويان في بعض الصفات كالعقل أو الذكورة أو الإنسانية. وإنما تُحمل الآية على الخصوص، أي: على أن الأعمى والبصير لا يستويان في البصر خاصة لا في كل شيء. وقوله، صلى الله عليه وسلم، (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ) [1] لا
(1) ابن ماجة، السنن، (2033) ، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، وغيره، حسنه النووي وصححه الحاكم، وضعفه أحمد وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر. انظر: ابن حجر، تلخيص الحبير، ج 1، ص 281.