يصدِّقُه، بظاهره، محلُّ الكلام، أو الواقعُ الخارجي له؛ إذ نفسُ الخطأ والنسيان والإكراه واقعٌ غير مرفوع. وعليه، فإنه يُحمل على رفع المؤاخذة أو الإثم.
هذا، وقد ألحق السرخسي بفصل: (( ما تُترك به الحقيقة ) )فصلا آخر سماه (( إبانة طريق المراد بمطلق الكلام ) )، وأورد فيه قرينتين زيادة على ما سبق عند البزدوي، يُحمل اللفظ بمقتضاهما على معنى دون معنى. وسمّى هاتين القرينتين بـ (( التأمل في محل الكلام، والتأمل في صيغة الكلام ) ) [1] .
أما القرينة الأولى فيعني بها أن النص يُحمل على المعنى الذي يكون النص بمقتضاه أكثر إفادة. قال: (( ولهذا حملنا قوله، تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (النساء:43) على المجامعة دون المس باليد؛ لأنه إذا حُمل على المس باليد كان تكرارا لنوع حَدَثٍ واحد [وهو الحدث الأصغر] ، وإذا حُمل على المجامعة كان بيانا لنوعي حدث، وأمرًا بالتيمم لهما، فيكون أكثر فائدة )) [2] .
وأما القرينة الثانية، وهي التأمل في صيغة الكلام، فيعني بها الرجوع إلى أصل اشتقاق اللفظ. فمثلا: لفظ (( النكاح ) )الوارد في النصوص الشرعية يحمله الحنفية، عند التجرد عن القرائن، على الوطء، ويحمله الشافعية على عقد الزواج. قال السرخسي: (( وما قلناه أحق؛ لأن الاسم في أصل الوضع لمعنى الضم والالتزام. يقول القائل: انْكَحِ الصبرَ، أي: التزمْه وضُمَّه إليك. ومعنى الضم في الوطء يتحقق بما يحصل من معنى الاتحاد بين الواطئيْن عند ذلك الفعل؛ ولهذا يُسمى جماعا. ثم العقد يُسمى نكاحا باعتبار أنه سببٌ يُتوصل به إلى ذلك الضم، فبالتأمل في صيغة الكلام يتبين أن الوطء أحق به إلا في الموضع الذي يتعذر حمله عليه، فحينئذٍ يُحمل على ما هو مجاز عنه، وهو العقد ) ) [3] .
أما صدر الشريعة فقد حاول أن يُرتب القرائن الخمسة ـ المذكورة عند البزدوي والسرخسي تحت فصل (( ما تُترك به الحقيقة ) )ـ ضمن قسمة منطقية، فقال: (( اعلم أن القرينة:
1.إما خارجة عن المتكلم والكلام: أي لا تكون معنى في المتكلم، أي: صفة له، ولا تكون من جنس الكلام. [ومثَّل لهذه القرينة بدلالة الحال: كأن يغضب من زوجه فيقول لها: (( أنت طالق إذا خرجت ) )، فيُحمل قوله، بقرينة الحال، على الخروج فورا لا بعد ذلك] .
2.وإما أن تكون معنى في المتكلم. [وهذه هي القرينة الرابعة التي سماها البزدوي بـ (( دلالة من قِبَل المتكلم ) )] .
(1) السرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 196.
(2) السرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 196.
(3) المرجع السابق، ج 1، ص 199.