ثانيا: قسمة الزرقاء:
أثناء بحثه للقرائن العرفية قدَّم الأستاذ الزرقاء لها بالقول:
(( دلالة القرائن على مدلولاتها تتفاوت في القوة والضعف تفاوتا كثيرا: فقد تصل إلى درجة القطعية، كالرماد أو الدخان، فإنهما قرينة قاطعة على وجود النار. وقد تضعف حتى تنزل دلالتها إلى مجرد الاحتمال ) ). ويمكننا أن نأخذ من كلامه هذا أن القرائن تنقسم من حيث القوة والضعف إلى الدرجات المعروفة من: القطع إلى الظن إلى الشك إلى الوهم.
ثم قال بعد ذلك: (( والقرينة قد تكون عقلية، وقد تكون عُرفية:
فالقرينة العقلية: هي التي تكون النسبة بينها وبين مدلولها ثابتة، يستنتجها العقل دائما، كوجود المسروقات عند المتهم بالسرقة.
والقرينة العرفية: هي التي تكون هذه النسبة بينها وبين مدلولها قائمة على عرف أو عادة تتبعها دلالتها وجودا أو عدما، وتتبدل بتبدلها، كشراء المسلم شاة قبيل عيد الأضحى فإنها قرينة على قصد الأضحية )) [1] .
وكلامه هذا، وإن كان مسوقا لبيان أقسام القرينة الفقهية لا الأصولية، إلا أنه يمكن تعميمه ليشملهما معا. ويظهر فيه أن الزرقاء قسَّم القرينة باعتبار (( ثبوت النسبة بينها وبين مدلولها ) ): فإذا كانت النسبة ثابتة أي لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأشخاص كانت القرينة عقلية ـ وقد يُنازع في هذه التسمية ـ وإن كانت النسبة متغيرة بتغير الأزمنة والأمكنة والأشخاص فالقرينة عرفية.
ثالثا: قسمة د. عبده زايد:
قسَّم الدكتور عبده زايد القرينة إلى أربعة أقسام: لفظية، عقلية خالصة، وعقلية اعتقادية، وحالية. ثم مثَّل لكل قسم. وليس ثمة من جديد في قسمته هذا إلا تفريقه بين قسمين من أقسام القرينة العقلية: القرينة العقلية الخالصة، والقرينة العقلية الاعتقادية أو النظرية. وكان مما قال: (( إذا ما جئت إلى القرينة العقلية التي لا تعتمد على دليل لفظي فإننا لا نكاد نعثر على دليل عقلي خالص، والذي نعنيه بالدليل العقلي الخالص هو الدليل الذي يقوم على البدهيات، فالبدهيات لا تختلف في إدراكها العقول ولا يؤثر فيها اختلاف الاعتقاد أو تباعد الأفكار. إن العقل من حيث هو عقل يدرك أن السماء فوقنا والأرض تحتنا، والواحد أصغر من الاثنين، والأب أكبر من الابن، والأصل سابق على الفرع ... وهكذا، ولكن إذا تجاوزنا هذه
(1) الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج 2، ص 918،919.