فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 384

قاصَ التَّجينُ شِحالَه بتريسِهِ الـ فَاخِي فلم يستعِفْ بطاسيةِ البَرَنْ

ثم أخذ في إعراب كل كلمة فيه [1] .

والحق، أن إدراك العلاقات أو المعاني النحوية بين الكلمات في عبارة من العبارات من غير الوقوف على معناها المعجمي إذا استقام في بعض الأمثلة فإنه لا يستقيم في بعضها الآخر. ولنأخذ بيت الشعر نفسه الذي أورده حسان، والذي أعرب فيه الكلمة (( قاصَ ) )على أنها فعل ماض و (( التجينُ ) )على أنها فاعل و (( شحالَه ) )على أنها مفعول به. فقد أغفل حسان، فيما ارتضاه من إعراب، أن (( قاصَ ) )قد يكون فعلا ناقصا، وبالتالي يكون (( التجينُ ) )اسمه و (( شِحالَه ) )خبره. كما أغفل أنه قد يكون هذا الفعل جزئا من اسم مركب كـ (( تأبط شرا ) )ونحوه، وحينئذ، فلا يصح إعرابه بالفعل الماضي. كما أغفل أنه بالإمكان أن نعرب (( شِحالَه ) )على أنها ظرف مكان كـ (( إزاءه ) ). فمثل هذه الاحتمالات وغيرها لا يمكننا تعيين واحد منها إلا بالنظر في المعنى المعجمي للكلام، فكيف يقال، إذن، بأن المعاني النحوية تتميز من غير حاجة إلى المعنى المعجمي؟!

ثم إن المتلقي في إدراكه المعاني النحوية للخطاب يلتفت أول وأكثر ما يلتفت إلى المعنى المعجمي؛ لأنه أيسر وأسرع دلالةً على المعاني النحوية من المادة الوظيفية، حتى إنه بإمكان هذا المعنى أن يرشد المتلقي إلى المعاني النحوية في الخطاب وإن اضطربت المادة الوظيفية بأن تضمنت أخطاء أو شذوذات عن القواعد العامة الصوتية والصرفية والنحوية. فلو تصورنا أن أعجميا قال: (( تفاهةْ أكْلَتْ ولدْ ) )، فإنه بإمكاننا، مع شيء من التروي، أن ندرك أن مراده من خطابه هو (( الولد أكل التفاحة ) )، وذلك على الرغم من الأخطاء الصوتية والصرفية والنحوية في خطابه.

ولقد كان من التخليط بمكان ما قاله حسان في قول العرب الشاذ نحويا: (( خرق الثوبُ المِسمارَ ) )برفع (( الثوب ) )ونصب (( المسمار ) )، من أن (( القرينة المعنوية ) )، باصطلاحه، وهي الإسناد، هي التي أغنت عن قرينة العلامة الإعرابية في الجملة فدلت على أن (( الثوبُ ) )هو المفعول و (( المسمارَ ) )هو الفاعل [2] . مع أنه من الوضوح بمكان أن المعنى المعجمي ـ أو القرينة المعنوية باصطلاح القدماء ـ لـ (( خرق ) (( الثوب ) (( المسمار ) )هو الذي أغنى عن قرينة العلامة الإعرابية، ودل على أن العلاقة بين (( خرق ) (( المسمارَ ) )هي الإسناد، وبين (( خرق ) (( الثوبُ ) )هي التعدية، وليس العكس كما هو مقتضى العلامة الإعرابية. ولو افترضنا عدم وجود هذا المعنى المعجمي، كأن نؤلِّف عبارة هرائية لا معنى لها على نفس

(1) انظر: حسان، اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 183.

(2) انظر: المرجع السابق، ص 234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت