فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 384

ولقد كان المفروض في حسان أن يدرك بأن ما أسماه بـ (( القرينة المعنوية ) )ليس هو إلا معنى نحوي ـ أو (( نظمي ) )باصطلاحنا ـ يُراد الاستدلال عليه لا الاستدلال به. وما يدل على هذا المعنى هو المواد اللفظية في العبارة، والتي قسمناها فيما سبق إلى: مادة معجمية، وصرفية، وتركيبية. والقرائن اللفظية التي عدَّدها حسان في العبارة (( ضرب زيد عمروا ) )ـ وهي تقابل، تقريبا، المواد اللفظية أو مواد المقال في اصطلاحنا ـ هي التي دلت على معنى (( الإسناد ) )بين (( ضرب ) (( زيد ) )، وعلى معنى (( التعدية ) )بين (( ضرب ) (( عمرو ) ).

وهذه القرائن لما دلت على المعنى النحوي ـ أو على (( القرينة المعنوية ) )باصطلاح حسان ـ دلت، في نفس الوقت لا في وقتين متغايرين، على أن (( زيد ) )هو الفاعل و (( عمروا ) )هو المفعول. فمثلا، قرينة علامة النصب على (( عمروا ) )، تدل دلالة واحدة، وفي الوقت نفسه، على معنى التعدية بين (( عمروا ) )والفعل، وعلى كون (( عمروا ) )هو المفعول. وإذن، فعلاقة التعدية بين (( عمروا ) )والفعل لا تعني شيئا آخر غير أن (( عمروا ) )هو المفعول لهذا الفعل.

ولذا فلقد كان خطأً ما عَمِد إليه حسان من زجّ معنى الإسناد ومعنى التعدية ضمن جملة القرائن الدالة على الفاعل وعلى المفعول في العبارة.

والحاصل هو أن حسان خلط بين القرينة المعنوية وبين المعنى النحوي فجعلهما واحدا، وجعل المعنى النحوي دالا على الموقع الإعرابي للكلمة، مع أن الموقع الإعرابي هو نفسه المعنى النحوي.

وما أسماه النحويون القدماء بـ (( القرينة المعنوية ) )هو شيء مغاير تماما لـ (( القرينة المعنوية ) )عند حسان، إذ القرينة المعنوية عند القدماء هي المعنى المعجمي للكلمات في حال دلالته على المعنى النحوي أو النظمي بينها. كما سبق لنا توضيحه في المثال: (( ابتلعت الكمثرى الأفعى ) ) [1] ، فمعنى الكمثرى ومعنى الأفعى هو الذي جعلنا نميز بين الفاعل والمفعول في الجملة، أي أنه هو الذي أرشد إلى المعاني النحوية فيها. أما (( القرينة المعنوية ) )عند حسان فهي المعنى النحوي نفسه.

والذي أراه السبب في اعتساف حسان في مفهوم (( القرينة المعنوية ) )، وتغييره الاصطلاح القديم والدارج من غير حاجة داعية، هو عمله على قطع العلاقة بين المعنى المعجمي للكلمات وبين المعاني النحوية التي تؤلف بينها، حتى زعم أنا نستطيع أن ندرك العلاقات النحوية بين الكلمات حتى لو لم نفقه معانيها المعجمية. وأورد مثالا على ذلك بيتا من الشعر معدوم المعنى المعجمي قال فيه:

(1) انظر: ص 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت