فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 384

عظيما من ملامحه الصوتية، بل فقد أحيانا علامته الإعرابية كما في بعض القراءات المختلفة للآيات والأحاديث التي تقتضي أكثر من علامة في الموقع الواحد.

والجهة الثانية: عدم تمكن مواد المقال ـ حتى لو فُرض اكتمالها ـ في كثير من الأحيان من نفي الاحتمالية عن بعضها البعض تماما. ففي قوله، صلى الله عليه وسلم: (( لا يمس القرآن إلا طاهر ) ) [1] لم يمكن لمواد المقال الكشف عن المعنى المعجمي لـ (( طاهر ) )الذي هو في عرف الشارع مشترك بين عدة معان كما سبق بذلك القول [2] . وفي قول القائل: (( لقد تقرر في شركتنا أن يكون المختار للوظيفة على درجة عالية من الخبرة ) )، لا يمكن لمواد المقال أن تحدد المعنى الصرفي للكلمة (( المختار ) )هل هو اسم فاعل فيصدق على الشخص الذي يقوم بعملية الاختيار للوظيفة، أم هو اسم مفعول فيصدق على الشخص الذي يُراد اختياره للوظيفة. وفي قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} (التوبة:36) لم يمُكن لمواد المقال الكشف عن طرف العلاقة النظمية المرتبط بالكلمة (( كافة ) )ـ ومعناها: جميعا ـ هل هو (( واو الجماعة ) )في (( قاتلوا ) )فيكون المعنى قاتلوا المشركين أيها المؤمنون جميعكم، أم هو (( المشركين ) )فيكون المعنى قاتلوا أيها المؤمنون المشركين جميعَهم. وفي قوله تعالى عن يوسف، عليه السلام: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} (يوسف:42) اجتمعت الاحتمالات الثلاثة ـ في المعنى المعجمي والمعنى الصرفي والمعنى النظمي ـ في قوله (( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) ): فالنظمي: في الضمير في (( أنساه ) )والضمير في (( ربه ) )، هل يعودان إلى يوسف أم إلى رفيقه في السجن، والمعجمي: في الكلمة (( ربه ) )، هل المراد بها السيد أم الخالق، والصرفي: في الكلمة (( ذكر ) )، هل المقصود بها التذكُّر أم التذكير.

والجهة الثالثة: جهة قصد المتكلم من الخطاب جملة. فلو فرضنا بأن مواد المقال مكتملة ولا يكتنف أيا منها منفردةً الاحتمال، فإن مقال الخطاب، مع ذلك، يظل قاصرا عن الإفصاح عن المعنى المقصود للمتكلم من المقال جملة، إذ الخطاب نتيجةٌ لفعل الكلام، وكل فعل لا بد له من باعثٍ يبعث عليه وغرضٍ يستهدفه، وهذا الباعث أو الغرض هو شيء وراء المقال، وليس في المقال، مجردا، قوةُ الإفصاح عنه. ومن هنا يكثر في محاورات الناس أن يقول أحدهم لمحدِّثه: ماذا تقصد بكلامك هذا؟ وماذا تعني؟ وما هو قصدك؟ وما الذي تصبوا إليه؟ وما الذي تريد؟ مع أن معنى المقال يكون واضحا. فقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146) يدل على ثلاثة من المعاني:

(1) رواه مالك في الموطأ، ج 1، ص 199. وانظر: ص 136 من هذه الدراسة.

(2) انظر: ص 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت