أحدها: كم من نبي قاتل معه رجال كُثُر فأصيبوا نتيجةَ القتال، لكنَّ ذلك لم يَفتُتْ في عزيمتهم، أو يُضعِفْ من معنويتهم. فهذا هو، تقريبا، معنى مقال الخطاب، والنص واضح، كلَّ الوضوح، في الدلالة عليه.
والمعنى الثاني: هو إرادته، سبحانه وتعالى، تثبيت قلوب من أُصيبوا في أُحُد ـ وقد نزلت الآية عقيبها ـ وتصبيرَهم، والشدَّ على أيديهم، وتحذيرهم من التراخي والضعف، وذلك عن طريق ضرب المثل فيمن خلا من الأنبياء وأصحابهم. وهذا المعنى، كما تلاحظ، لا تقوى مواد المقال على الدلالة عليه، وإنما يصل إليه المتلقي إليه عن طريق الاستعانة بسبب النزول والسياق.
والمعنى الثالث: هو أنَّ على المؤمنين جميعا في كل زمان ومكان، لا الصحابة المشاركين في غزوة أحد فقط، أن لا تهزَّهم المصائب ولا تنالَ منهم المحن ـ كل المصائب، وكل المحن لا مصيبة أُحُد أو محنتها فحسب ـ فيضعفوا ويستكينوا، بل عليهم أن يَصبروا ويحتسبوا. وهذا المعنى، أيضا، لا تقوى مواد المقال على الدلالة عليه، بل لا بد للمتلقي كي يصل إليه من الاستعانة بحال المتكلم ومقاصده، والسياق الواسع للخطاب وهو القرآن ككل وعموم معانيه في الزمان والمكان ... الخ.
إذن، مهما كانت درجة الوضوح التي تدل بها مواد المقال على معنى مقال الخطاب فإنها تظل، في غالب الأحيان، قاصرة عن الإفصاح عن كل المعنى المقصود للمتكلم من الخطاب. وانظر، مثلا، قول القائل لآخر: (( الطقس بارد ) ). فهذا الخطاب، على وضوحه، يحتمل مقاصد عديدة لا نستطيع تبيُّنَها بالاعتماد على مواد مقال الخطاب وحدها، بل لا بد من النظر في السياق أو الحال. فمثلا يمكن أن يكون المراد به مجرد الإخبار كما لو ورد على لسان المذيع أثناء عرضه النشرة الجوية. ويمكن أن يكون المراد به مجرد المجاملة وفتح باب الكلام كما يحدث بين متخاطبين التقيا، ليس بينهم علاقة وكلامٌ مشترك، فتجد أن بادئة الكلام يمكن لها أن تكون تعليقا عن الطقس. ويمكن أن يكون المراد به حثَّ المخاطب على لبس المزيد من الثياب، كما لو تصورنا الخطاب ورد على لسان أم تخاطب به ابنها الذي أزمع الخروج من المنزل بملابس خفيفة. ويمكن أن يكون المراد به إعلانَ الزوج عن رفضه لاقتراح زوجته بالخروج في نزهة. ويمكن أن يكون المراد به تبرير المتكلم للمخاطَب لسبب ارتجافه المتكرر. ويمكن أن يكون المراد به دعوة المتكلم المخاطَب إلى دخول المنزل كما لو قاله المتكلم لضيفه الذي اقترح عليه الجلوس في حديقة المنزل. وهكذا