تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} (النساء:3) مع أنه دال على مشروعية النكاح إلا أنه ليس مسوقا لهذا الغرض ابتداء بل هو مسوقٌ لبيان العدد المسموح بنكاحه من النساء. وقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} (البقرة:275) مع أنه دالٌ على مشروعية البيع إلا أنه ليس مسوقا لهذا الغرض ابتداء بل هو مسوقٌ للتفريق بين البيع وبين الربا، وقد تبين لنا هذا الأمر من خلال السياق وسبب النزول.
والمعاني التي يدل عليها أيُّ نص تنقسم من حيث توجّه القصد السياقي أو (( العلة البيانية ) )إليها إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: المعنى المقصود أصلا من السوق. ويخصه الحنفية باسم: النص.
والقسم الثاني: المعنى المقصود تبعا من السوق. ويخصه الحنفية باسم: الظاهر.
والقسم الثالث: المعنى اللازم غير المقصود لا أصلا ولا تبعا. ويُسمَّى عند الحنفية والجمهور بـ (( المعنى المدلول عليه إشارة ) ).
ففي قوله، صلى الله عليه وسلم: (( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده ) ) [1] .
المعنى المقصود أصلا من السوق: هو النهي عن غمس اليد في الإناء بعد الاستيقاظ إلا بعد غسلها.
والمعنى المقصود تبعا من السوق: هو بيان علة النهي السابق، وهو أن المرء لا يدري أين باتت يده، فلعلها لابست نجاسة.
وأما المعاني اللازمة غير المقصودة من السوق: فهي كثيرة. قال النووي، رحمه الله تعالى:
(( في هذا الحديث دلالة لمسائل كثيرة في مذهبنا ومذهب الجمهور:
منها: أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة، وإن قلَّت، ولم تغيِّره، فإنها تنجِّسه؛ لأن الذي تعلَّق باليد ولا يُرى قليلٌ جدا، وكانت عادتُهم استعمالَ الأواني الصغيرة التي تقصر عن قلتين بل لا تقاربهما.
ومنها: الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجَّسته، وإذا ورد عليها أزالها ... ومنها: أن موضع الاستنجاء لا يَطْهُرُ بالأحجار بل يبقي نجسا معفوا عنه في حق الصلاة.
ومنها: استحباب غسل النجاسة ثلاثا؛ لأنه إذا أَمر به في المتوهَّمة ففي المحقَّقة أولى
(1) مسلم، الصحيح، (416) . كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها قبل غسلها ثلاثا.