ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة ... ومنها: استعمال ألفاظ الكنايات فيما يُتحاشى من التصريح به؛ فإنَّه، صلى الله عليه وسلم، قال: (( لا يدري أين باتت يده ) )، ولم يقل: فلعلَّ يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة أو نحو ذلك ... هذه فوائد من الحديث غير الفائدة المقصودة هنا وهي النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها )) [1] .
وتحديدُ أيِّ المعاني من الخطاب هو المقصود أصلا أو تبعا أو غير مقصود يتوقف، في الغالب، على السياق ككل لا على جزء معين من هذا السياق ككلمة ما أو جملة معينة؛ ولذا أدرجنا هذا المبحث من المباحث السياقية ضمن النوع الأول من نوعي تأثير السياق على دلالة الخطاب، وهو الذي يؤثر فيه السياق ككل، لا كأجزاء محددة، على دلالة الخطاب.
هذا وقد ترتب على بحث الأصوليين لـ (( العلة البيانية ) )، وبالتالي التفريق بين المقصود أصلا والمقصود تبعا واللازم غير المقصود، عددٌ من النتائج التي تصب في تأثير (( سياق الخطاب ) )على دلالة الخطاب أو على دلالة جزء منه.
من ذلك مسألة اللفظ العام الذي يرد في نصٍّ مسوق لغرضٍ غيرِ العموم هل يبقى على عمومه أم لا؟ فمثلا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة:34) يشتمل على ذكر لفظ عام هو الذهب والفضة؛ لأنه اسم جنس، لكن النص لم يُسق لبيان هذا العموم بل هو مسوقٌ للترهيب من كنز المال ومنع الزكاة. وعليه، فهل يَبطُل عمومُ لفظيِ الذَّهب والفضة في النص بحيث لا يصح الاستدلال بالآية على وجوب الزكاة في الحِلِي، مثلا، أم لا؟ وقوله، صلى الله عليه وسلم: (( فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سُقي بنضح نصف العشر ) ) [2] يشتمل على لفظ عام هو (( ما ) )في قوله: (( فيما سقت السماء ) )لكن النص لم يُسق لبيان هذا العموم بل لبيان قدْر المخرَج من زكاة الزروع. وعليه، فهل يَبطلُ عمومُ اللفظ (( ما ) )بحيث لا يصح الاستدلال بالنص على وجوب الزكاة في الخضروات مثلا، أم لا؟
وقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة، فقال بعضهم بعدم بطلان العموم حتى لو كان النص المشتمل على العموم مسوقا لغرض آخر. وقال بعضهم: بل يبطل. وحُكي عن الشافعي في المسألة قولان. وكذلك انقسم فيها أتباعه إلى فريقين [3] . وقال السرخسي من الحنفية: (( إن
(1) النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1392 ه، ج 3، ص 179،180.
(2) البخاري، الصحيح، (1388) ، كتاب الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء. ومسلم، الصحيح، (1630) ، كتاب الزكاة، باب مافيه العشر ونصف العشر.
(3) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 195.