فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 384

من الناس من يقول: يختص الكلام بما يُعلم من غرض المتكلم؛ لأنه يظهر بكلامه غرضُه، فيجب بناء كلامه، في العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، على ما يُعلم من غرضه، ويُجعل ذلك الغرض كالمذكور. وعلى هذا، قالوا: الكلام المذكور للمدح والذم والثناء والاستثناء لا يكون له عموم؛ لأنا نعلم أنه لم يكن غرض المتكلم به العموم. وعندنا هذا فاسد؛ لأنه تركُ موجَب الصيغة بمجرد التشهي، وعملٌ بالمسكوت؛ فإن الغرض مسكوتٌ عنه، فكيف يجوز العمل بالمسكوت وترك العمل بالمنصوص باعتباره؟ ولكن العام يُعرف بصيغته، فإذا وُجدت تلك الصيغة، وأمكن العمل بحقيقتها، يجب العمل. والإمكان قائمٌ، مع استعمال الصيغة للمدح والذم، فإن المدح العام والثناء العام من عادة أهل اللسان، وكذلك الاستثناء والذم. واعتبارُ الغرض اعتبارُ نوع احتمال، ولأجله لا يجوز ترك العمل بحقيقة الكلام )) [1] . وهذا الذي قاله السرخسي هو تقريبا الذي استقر عليه أهل الأصول من بعد إمام الحرمين [2] .

أما إمام الحرمين، فلقد كان من أنصار تأثير (( العلة البيانية ) )للنص على عموم الألفاظ التي يشتمل عليها. قال، رحمه الله تعالى: (( لو ظهر لنا خروجُ معنىً عن قصد المتكلم، وكان سياق الكلام يُفضي إلى تنزيل غرض الشارع على قصد آخر، فلستُ أرى التعلق بالعموم الذي ظهر فيه خروجُه عن قصد الشارع. وهو كقوله، عليه السلام: (( فيما سقت السماء العشر وفيما سُقي بنضح أو دالية نصف العشر ) )، فالكلام مسوقٌ لتعيين العشر ونصف العشر، فلو تعلَّق الحنفيُّ بقوله، عليه السلام: (( فيما سقت السماء العشر ) )ورامَ تعليق العشر بغير الأقوات [كالخضروات مثلا] ، فلسنا نراه متعلِّقا بظاهر ... والدليل عليه: أن الشارع إذا كان مقصودُه بيانَ العشر ونصفِ العشر، لو أخذ يُفَصِّل الأجناس، وهو يبغي غيرَها، يُعدُّ ذلك تطويلا نازلا عن الوجه المختار في اللغة العَالِية. فتقدير التعميم يُشير إلى أنه لو لم يُرِدِ العمومَ لفصَّل الأجناس، ولو فصَّلها لكان مائلا عن الوجه الأحسن في النَّظم )) [3] .

والذي نراه هو أنه من الإفراط القول بعدم تأثير (( العلة البيانية ) )للنص على عموم ألفاظه مطلقا كما قد يشي به كلام السرخسي، ومن التفريط القول، أيضا، بتأثيرها إلى درجة إبطال العموم كما هو رأي إمام الحرمين. وخير المذاهب وأوسطها في هذا الشأن هو مذهب الغزالي، حيث لم يبطل العموم، لكنه، في المقابل، لم يجعله عموما عاديا، بل عموما ضعيفا يكفى في معارضته أدنى دليل من قياس أو غيره. قال رحمه الله تعالى، بعد أن قسَّم العموم إلى ثلاثة أقسام: قوي ومتوسط وضعيف: (( أما مثال العموم الضعيف، فقوله، عليه السلام: (( فيما سقت السماء العشر وفيما سُقي بنضح أو دالية نصف العشر ) )فقد ذهب بعض

(1) السرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 273.

(2) انظر: الشيرازي، اللمع، ص 28. والغزالي، المستصفى، ج 2، ص 88. والرازي، المحصول، ج 1، ص 453. والآمدي، الإحكام، ج 2، ص 298.

(3) الجويني، البرهان، ج 2، ص 778.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت