القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يُحتجُّ به في إيجاب العشر ونصف العشر في جميع ما سقته السماء، ولا في جميع ما سُقي بنضح؛ لأن المقصود منه الفرق بين العشر ونصف العشر، لا بيان ما يجب فيه العشر، حتى يُتعلق بعمومه. وهذا فيه نظرٌ عندنا؛ إذ لا يبعد أن يكون كلُّ واحد مقصودا، وهو إيجاب العشر في جميع ما سقته السماء، وإيجاب نصفه في جميع ما سُقي بنضح، واللفظ عام في صيغته، فلا يزول ظهورُه بمجرَّد الوهم، لكن يكفي في التخصيص أدنى دليل )) [1] .
فكأنّ الغزالي يرى بأن العموم في الأمثلة السابقة، وإن لم يُسق النص لبيانه أصلا، فهو مقصود تبعا، وضعْفُه إنما كان من أجل تبعيته هذه.
ومن النتائج الأخرى التي ترتبت على (( العلة البيانية ) )، وعلى التفريق بين المقصود أصلا وتبعا وغير المقصود، قولُ الأصوليين: إنه إذا ورد نصان متعارضان فيُرجح المعنى المقصود أصلا على المعنى المقصود تبعا، ويرجح الاثنان على اللازم غير المقصود.
ولعل إفاضة القول في هذه القاعدة تقريرا وتمثيلا قد وُجد لدى أصوليي الحنفية عند تفريقهم بين النص والظاهر، وتفريقهم بين المدلول عليه عبارة والمدلول عليه إشارة [2] . لكن هذا لا يعني أن أصوليي الجمهور أهملوا هذه القاعدة، وإن لم يخوضوا فيها خوض الحنفية. قال إمام الحرمين: (( إذا تعارض ظاهران، وفي أحدهما ما يقتضي التعليل في صيغة التعميم، فهو مرجَّح على العام الذي عارضه وليس فيه اقتضاء التعليل. والسبب فيه: أن التعليل في صيغة العموم من أقوى الدلالات على ظهور قصد التعميم حتى ذهب ذاهبون إلى أنه نصٌّ ممتنعٌ تخصيصه. فإن قُدِّر نصَّا فلا شك في تقديمه على الظاهر المعرَّض للتأويل. وإن اعتُقدَ ظاهرا فهو مرجَّح على معارضه لاختصاصه بما يُوجب تغليب الظن. وكشفُ الغطاء في هذا عندنا، وهو مما أراه سرَّ هذه الأبواب، ولم نُسبق بإظهاره، فنقول: إذا صدر من الشارع كلامٌ غيرَ مقيدٍ بسؤال ولا حكاية حال، ولاح قصدُ التعميم من إجرائه الحكم الذي فيه العموم مقصودا لكلامه، فما يقع كذلك فاللفظ في المتماثلات نصُّ، وليس من الظواهر. والضابط فيه: أن ما لا يخلو عن ذِكْرِ المتكلم وعلمه وقت قوله، واللفظُ في الوضع يتناوله، وقد لاح بانتفاء التقييدات وقرائن الأحوال قصدُ التعميم ـــ فلو تخيَّل متخيِّلٌ قصرَ اللفظ على بعض المسميات المتماثلة لكان ذلك عندنا خُلفا وتلبيسا. وإنما يسوغ الخروج عن مقتضى اللفظ وضعا فيما يجوز تقدير ذهولِ المتكلم عنه. وهذا في حكم التعميم بناءٌ عظيم ) ) [3] .
ومثال المسألة: حكم الجمع بين الأختين المملوكتين [4] . فإن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (المؤمنون:5 - 6)
(1) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 407.
(2) انظر، البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 123،171 ـ 184.
(3) الجويني، البرهان، ج 2، ص 777.
(4) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 197.