دالٌّ على إباحة هذا الجمع؛ لأن الأختين المملوكتين تدخلان في عموم (( ما ملكت أيمانهم ) ). وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} (النساء:23) دالٌّ على التحريم؛ لأن الجمع بين الأختين المملوكتين يدخل في عموم تحريم الجمع بين الأختين. ومن هنا قال عثمان، رضي الله عنه، لما سُئل عن الجمع بين الأختين المملوكتين: (( أحلتهما آية وحرمتهما آية ) ) [1] . فلو أردنا تطبيق قاعدة (( العلة البيانية ) )على هذين العمومين. لوجدنا بأن الآية الناصّة على التحريم أقوى في العموم من آية الإباحة؛ وذلك لأن النص في آية التحريم سيق أصلا لبيان المحرمات من النساء. أما الآية الدالة على إباحة وطء جميع المملوكات باليمين فعمومُها ضعيف؛ لأن النص لم يُسق فيها لبيان ما يحل وما يحرم من النساء، بل سيق لبيان وصف المؤمنين من كونهم عفيفين حافظين لفروجهم إلا عما أُحل لهم. ومن هنا كان ترجيح التحريم على الإباحة أولى، ولذا قال علي، رضي الله عنه، لما سُئل عن المسألة: (( لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدًا فعل ذلك [أي: جمع بين الأختين المملوكتين] ، لجعلته نكالا ) ) [2] .
ب. مبحث الدلالات السياقية، إثباتا أو نفيا:
والمقصود بهذا المبحث أن الأصوليين عَزَوْا بعض أنواع الدلالات التي تنتج عن النص إلى سياق النص أو إلى السياق الذي ورد فيه النص، ونخص بالذكر من هذه الدلالات: مفهوم الموافقة، ودلالة الإيماء. كما أنهم أبطلوا القول ببعض الدلالات، في بعض الأحيان، بسبب سياق النص أو السياق الذي ورد فيه النص كما في مفهوم المخالفة.
• فأما فيما يتعلق بدلالة مفهوم الموافقة، فقد اختلف الأصوليون في مصدر هذه الدلالة [3] :
فمن قائلٍ بأنها قياسية؛ لأنها إلحاق مسكوت عنه بمنطوق بعلة، ورُدَّ بأن القياس واردٌ بعد الشرع، ولذا فهو تعبدي، أما مفهوم الموافقة فهو ثابت قبل الشرع.
ومن قائل بأنها لغوية لفظية. وهذا حق إن كان المقصود به أن مفهوم الموافقة ثابت في اللغة قبل ورود الشرع، وغير صحيح إذا كان المقصود به أن مفهوم الموافقة متواضعٌ على أفراده كتواضع العرب على الألفاظ المفردة.
ومن قائل بأنها سياقية، وهو أدق الأقوال. قال الغزالي، رحمه الله، وهو يعدد أضرب الدلالة غير اللفظية: (( الضرب الرابع: فهْمُ غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام
(1) مالك، الموطأ، ج 2، ص 588. عن ابن شهاب عن قبيصة عن عثمان، وهذا إسناد صحيح.
(2) نفس الرواية السابقة.
(3) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 10.