ومقصوده. كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} (الاسراء:23) ، وفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء:10) ، وفهم ما وراء الذرة والدينار من قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} (الزلزلة:7) ، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (آل عمران:75) ، وكذلك قول القائل: (( ما أكلت له برة، ولا شربت له شربة، ولا أخذت من ماله حبة ) )فإنه يدل على ما وراءه. فإن قيل: هذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى. قلنا: لا حَجْرَ في هذه التسمية، لكن يُشترط أن يُفهم أن مجرد ذِكر الأدنى لا يحصِّل هذا التنبيه ما لم يُفهم الكلام وما سِيق له. فلولا معرفتنا بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين واحترامهما، لما فهمنا منع الضرب والقتل من منع التأفيف؛ إذ قد يقول السلطان إذا أمر بقتل مَلِك: لا تقل له أف، لكن اقتله. وقد يقول: والله ما أكلتُ مال فلان. ويكون قد أحرق ماله، فلا يحنث. فإن قيل: الضرب حرامٌ قياسا على التأفيف؛ لأن التأفيف إنما حُرِّم للإيذاء، وهذا الإيذاء فوقَه. قلنا: إن أردتَّ بكونه قياسا أنه محتاجٌ إلى تأمل واستنباط علة فهو خطأ، وإن أردتَّ أنه مسكوتٌ فُهِمَ من منطوق فهو صحيح بشرط أن يُفهم أنه أسبق إلى الفهم من المنطوق أو هو معه وليس متأخِّرا عنه )) [1] .
• وأما فيما يتعلق بدلالة الإيماء: فالمقصود بها دلالة النص على علة الحكم دلالة غير صريحة، أو قل: دلالة غير متواضع عليها، أو قل: دلالة سياقية. قال الآمدي: (( المسلك الثالث [من مسالك العلة] : ما يدل على العلية بالتنبيه والإيماء. وذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا بوضعه على التعليل ) ) [2] . وقال الزركشي في مسلك الإيماء: (( هو يدل على العلية بالالتزام؛ لأنه يُفْهِمُها من جهة المعنى لا اللفظ، وإلا لكان صريحا، ووجه دلالته أن ذكره [أي: الوصف المومى إليه] مع الحكم يُمنع أن يكون لا لفائدة؛ لأنه عبث، فتعين أن يكون لفائدة، وهي إما: كونه علة أو جزء علة أو شرطا، والأظهر كونه علة؛ لأنه الأكثر في تصرف الشارع ) ) [3] . وقال ابن النجار في تعريف الإيماء: (( هو اقتران الوصف بحكم، لو لم يكن الوصف أو نظيره للتعليل، لكان ذلك الاقتران بعيدا من فصاحة كلام الشارع، وكان إتيانه بالألفاظ في غير مواضعها، مع كون كلام الشارع منزَّها عن الحشو الذي لا فائدة فيه ) ) [4] .
وعلى الرغم من كون دلالة الإيماء هي دلالة سياقية غير تواضعية بأفرادها إلا أن هذا لم يمنع من ملاحظة أنواع عامة منها، يندرج تحت كل نوع منها ما لا ينحصر من الأمثلة.
ومن أهم هذه الأنواع:
(1) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 190،191.
(2) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 279.
(3) الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 197.
(4) ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 125.