فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 384

الملاحظة الثانية: أن أكثر الأصوليين يستخدم هذا المعنى لمصطلح النص ـ أعني اللفظ الواضح في معناه ـ في باب القياس، وذلك عند حديثهم عن مسالك العلة فيذكرون في مقدمتها مسلك النص، ويعنون بهذا المسلك ما قاله الرازي: (( نعنى بالنص: ما تكون دلالته على العلّية ظاهرة سواء كانت قاطعة أو محتملة: أما القاطع فما يكون صريحا في المؤثرية وهو قولنا: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل كذا ... وأما الذي لا يكون قاطعا فألفاظ ثلاثة اللام وإنَّ والباء ) ) [1] . وإذا تقرر هذا، فلا وجه لعدّ الزركشي هذا الإطلاق للنص في هذا الموضع من كتب الأصول، وهو كتاب القياس، اصطلاحا خاصا مباينا لغيره من الاصطلاحات. وذلك حين قال: (( ويُطلق [النص] باصطلاحات: ... الثاني: ما يُذكر في باب القياس وهو مقابل الإيماء ) ) [2] .

الملاحظة الثالثة: ذهب أبو الحسين البصري إلى حد النص بكونه: (( كلام تظهر إفادته لمعناه، لا يتناول أكثر مما قيل إنه نص فيه ) ) [3] زاعما أنه بهذا التعريف قد ضمنه ثلاثة شروط [4] :

أحدها: كون النص كلاما.

والثاني: ظهور دلالته بنفسه.

(1) الرازي، المحصول، ج 2، ص 311.

(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 462

(3) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 295.

(4) نسب د. محمد أديب صالح ـ تفسير النصوص، ص 131 ـ هذه الشروط الثلاثة إلى القاضي عبد الجبار لا لأبي الحسين البصري، لأنه توهَّم أنها من كلام القاضي لا من كلام البصري؛ إذ قد وردت في المعتمد مباشرة بعد ذكر تعريف القاضي. وهذا ما لا نعتقده لثلاثة قرائن: إحداها: أن السياق يدل على استئناف البصري كلاما جديدا فإنه قد قال: (( وذكر قاضي القضاة أن النص هو خطاب يُمكن أن يعرف المراد به. واعلم أن النص يجب أن يشتمل على ثلاث شرائط أحدها أن يكون كلاما ... الخ ) )فانظر إليه كيف صدَّر كلامه في الشروط بقوله (( واعلم ) )كما هي عادته في كثير من المواطن. والقرينة الثانية: قول البصري بعد أن ذكر الشروط وشَرَحَها: (( فإذا ثبت أن هذا هو المعقول من النص وجب بأن يُحد بأنه كلام تظهر إفادته لمعناه لا يتناول أكثر مما قيل إنه نص فيه ) )، فعرّف النص بناء عليها تعريفا جديدا وأضرب عن تعريف القاضي عبد الجبار. ولو كانت الشروط لعبد الجبار نفسه لما احتاج الأمر لتعريف جديد. والقرينة الثالثة: أن تعريف القاضي عبد الجبار المذكور لا ينسجم مع هذه الشروط لأنه لا يمنع من كون النص مفيدا بنفسه أو مفيدا بغيره، أما الشروط المذكورة فمنها كون النص ظاهر الدلالة بنفسه، وهذا الشرط يخرج الدلالة المجملة حتى بعد البيان كما أفصح عن ذلك البصري حين قال: (( فإن قيل: أليس يُقال: إن الله قد نص على وجوب الصلاة وإن كان قوله: {أقيموا الصلاة} مجملا. قيل: إنه ليس بمجمل في إفادة الوجوب، وإنما هو مجمل في إفادة الصلاة، ولا يجوز أن يُسمى مع البيان نصا في إفادة الصلاة؛ لأن قولنا: (( نص ) ): عبارة عن خطاب واحد دون ما يقترن به )) . انظر في كل ما سبق: المعتمد، ج 1، ص 295.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت