ومن أفضل وأشمل ما قيل في حال المتكلم ما بيَّنه ابن تيمية، رحمه الله تعالى، بقوله: (( والحال حال المتكلم والمستمع لابد من اعتباره في جميع الكلام، فإنَّه إذا عُرِفَ المتكلِّم فُهِمَ من معنى كلامه ما لا يُفْهم إذا لم يُعْرف لأنَّه بذلك يُعْرف عادته في خطابه. واللفظ إنما يدل إذا عُرِفَت لغة المتكلِّم التي بها يتكلَّم وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه، ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادية اختيارية، فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى فإذا اعتاد أن يعبِّر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته، ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها عَرَف عادته في خطابه وتَبيَّن له من مراده ما لا يتبيَّن لغيره، ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده وهي العادة المعروفة من كلامه ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره وكانت النظائر كثيرة عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامَّة لا يختص بها هو بل هي لغة قومه ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه ) ) [1] .
وإذا كانت جوانب الإحاطة والخبرة بحال المتكلم متعددة جدا، فإنَّ مما يلزم التركيز عليه منها شيئين:
• الشيء الأول: الخبرة بألفاظ المتكلم أو بالعادة التعبيرية له، فقد يكون له مصطلحه الخاص به شخصيا والذي يتميز به عن المعنى اللغوي أو العرفي، بكونه أعم منه، أو أخص، أو غيره. فقول الإمام أحمد في راو من الرواة: (( منكر الحديث ) )يختلف (( المعنى المقصود ) )منه عما لو قال العبارة نفسَها محدِّثٌ آخر، لأن الإمام أحمد، على خلاف غيره من المحدثين، يُطلِق هذه العبارة على من يتفرد بالروايات حتى لو كان ثقة. أما الآخرون فيطلقونها على الضعيف الذي يتفرد فقط [2] . وقولُ ابن حِبَّان: (( هذا راو ثقة ) )، يختلف معناه عما لو قال العبارة نفسها ابنُ معين؛ وذلك لأن ابن حِبَّان يوثِّق الراوي المجهول برواية الثقة عنه بينما لا يوثقه الآخرون [3] ، وهكذا ... . وكثيرا ما يُوقِع الجهلُ بمصطلح المتكلم اللّبسَ في فهم خطابه.
وبناء على هذا الأصل خاض الأصوليون فيما أسموه بـ (( الحقيقة الشرعية ) )أو (( الوضع الشرعي ) ). وهي الألفاظ التي كانت تُستعمل في اللغة في معاني معينة فاستعملها الشارع استعمالا خاصا به في معاني أخرى. وتلك كلفظ الصلاة والزكاة والحج والفسق والكفر والإيمان وغير ذلك، وقرر الأصوليون في هذا الصدد أن الحقيقة الشرعية مقدمة في الفهم على الحقيقة اللغوية والعرفية في خطاب الشارع، وأن العدول عنها تأويل يحتاج إلى دليل.
(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 7، ص 115.
(2) انظر: السيوطي، تدريب الراوي، ج 1، ص 346، وحاشية المحقق ص 347.
(3) انظر: ابن حجر، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، حاشية ص 99.