ففي الحديث الذي سُئل فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: (( نعم. فتوضأ من لحوم الإبل ) ) [1] ، ليس لنا ـ كما يقول الحنابلة ـ أن نحمل الوضوء على تنظيف اليدين فقط كما هو المقتضى اللغوي بل نحمله على الوضوء المعروف شرعا [2] . وإذا أردنا الحمل على المفهوم اللغوي احتجنا إلى دليل يدعم هذا الحمل.
• والشيء الثاني من الأشياء التي ينبغي أن نركِّز عليها في حال المتكلم: الخبرة بالطبيعة الذاتية له، وأعني بها: المعرفة بصفاته وطبائعه وميوله ورغباته واتجاهاته وأهدافه ومقاصده الكلية. فقول أحد المستشرقين الحاقدين على الإسلام: (( إن محمدا قد تزوج من ثلاثة عشر امرأة ) )، لا يُفهم منه المعنى نفسُه فيما لو وردت هذه العبارة نفسها على لسان مؤرخ إسلامي ملتزم، فالأول قد يعني الانتقاد، والآخر إنما يعني الإخبار ولا يُفهم منه الانتقاد بتاتا. والذي دلنا على مثل هذا التفريق هو المعرفة بطبيعة واتجاه كلا المتكلمَيْن. وكذلك قول إحدى الأمهات الحانيات لابنها: (( اذهب فاشتر لي علبة ثقاب ) )لا يُفهم منه الإلزام أو (( الوجوب ) )كما يُفهم من قول الأب، المدخِّن، المتسلط، حادّ المزاج، لابنه العبارة نفسَها. وقول الرجل المعروف بالبخل لصديقه متحدثا عن نفسه: (( لقد أنفقتُ الكثيرَ هذا اليوم ) )، لا يُفهم منه قدْرُ الإنفاقِ نفسُه فيما لو قال العبارة رجلٌ لا يتصف بالبخل. كما لا يُفهم منها مجالُ الإنفاق نفسُه فيما لو صدر القول عن رجلٍ معروفٍ بالصدقة والإفضال على الناس، أو صدر عن آخرَ مبذرٍ معروفٍ بالإسراف. قال ابن القيم: (( كلما كان السامع أعرفَ بالمتكلم وصفاته وقصده وبيانه وعادته كان استفادته للعلم بمراده أكمل وأتم ) ) [3] .
وانطلاقا من هذا الأصل قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: (( إذا حدثتم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حديثا فظنُّوا به الذي هو أهيا، والذي هو أهدى، والذي هو أتقى ) ) [4] فانظر إليه كيف وجَّه متلقي الحديث النبوي إلى حمله على خير وجوهه. وليس هذا إلا لأن قائل الحديث، وهو النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يصدر عنه إلا ما هو أهيأ وما هو أهدى وما هو أتقى.
وانطلاقا من هذا الأصل، أيضا، قال أكثر الأصوليين: بأن (( اللفظ قد يرد من الشرع وله محملان: أحدهما: أمر لغوي. والآخر: أمر شرعي. مثاله: (( الطواف بالبيت صلاة ) ) [5] ، فإنه
(1) مسلم، الصحيح، (539) ، كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل.
(2) انظر: ابن قدامة، المغني، ج 1، ص 122.
(3) ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 744.
(4) أحمد، المسند، (1027) .
(5) الترمذي، السنن، (883) كتاب الحج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الكلام في الطواف. والنسائي، السنن، (2873) كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف. وقال الترمذي: (( قد رُوي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن السائب. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يستحبون أن لا يتكلم الرجل في الطواف إلا لحاجة أو يذكر الله تعالى أو من العلم ) ).