فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 384

والهند وهو تجاربي. وكان أكثر ما يصفه النبي، صلى الله عليه وسلم، لمن يكون عليلا على طريقة طب العرب [أي بمقتضى العادة والعرف] ، ومنه ما يكون مما اطلع عليه بالوحي [وهو الأقل، ولذا فالقول به يحتاج إلى قرينة] )) [1] . وقال ابن خلدون: (( للبادية من أهل العمران طبٌّ يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثا عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره. والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمرٌ كان عاديا للعرب ووقع في ذِكْر أحوال النبي، صلى الله عليه وسلم، من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجِبلِّة، لا من جهة أن ذلك النحو من العمل [التعبُّدي] ؛ فإنه، صلى الله عليه وسلم، إنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له في شأن تأبير النخل ما وقع، فقال: (( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ) [2] . فلا ينبغي أن يُحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه. اللهم إلا إذا استُعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثرٌ عظيم في النفع. وليس ذلك في الطب المزاجي، وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية، كما وقع في مداواة المبطون بالعسل [3] . والله الهادي إلى الصواب لا رب سواه )) [4] .

(1) نقله عنه، ابن حجر،، فتح الباري، ج 10، ص 170.

(2) مسلم، الصحيح، (4358) ، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

(3) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (( أن رجلا أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي بطنه. فقال: اسقه عسلا. ثم أتى الثانية فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الثالثة فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا، فسقاه فبرأ ) ). البخاري، الصحيح، (5252) ، كتاب الطب، باب الدواء بالعسل.

(4) ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، ج 2، ص 190،191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت