فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 384

اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين ... )) [1] .

وقال السرخسي: (( ولئن كان قولُه [أي: الصحابي] صادرا عن الرأي، فرأيُهم أقوى من رأي غيرهم؛ لأنهم شاهدوا طريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بيان أحكام الحوادث، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال التي تتغير باعتبارها الأحكام، فبهذه المعاني يترجح رأيُهم على رأي من لم يشاهد شيئا من ذلك ) ) [2] .

(1) الجليند، دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، ص 111. هذا ولقد خالف وجازف عبد الوهاب أبو صفية عندما قال في كتابه: دلالة السياق، ص 110 ـ 111: (( إن مفسِّر العصر الحاضر، ينبغي أن يكون أعلم ممن سبقوا، أي من آحادهم؛ لأن المفروض أنه ورث علومهم جميعها، وزاد عليهم ما أعطته العصور اللاحقة. فسبقُه آت من جهتين: إحداهما: كون ما ورثه عن جميعهم أعظم بكثير مما لدى كل منهم، وثانيهما: بما أضيف إلى هذه العلوم نتيجة الدرس والبحث بآلية مزدوجة وفهم يجمع بين تحفظ السلف وتوسع أصحاب الرأي. وشتان بين شخصين يريدان أن يفسرا آية: أحدهما يملك سلامة السليقة اللغوية(دون إلمام بعلوم اللغة) ، وعَرَف سبب نزولها عن قرب، وعَرَف سائر القرائن الزمنية والمكانية والحالية الملابسة لها، وآخر تكونت عنده ملكة اللغة بطول الممارسة، وزاد بأن ألم بعلوم اللغة، وعَرَف أسباب النزول بالنّقل الممحَّص، وزاد أيضا: بأن عَرَف من طريق الدراسة وجوه الارتباط بين الآية وبين غيرها، كما عرف جميع القرائن بما درسه أيضا، فالثاني ولا شك يفكِّر ويفهم بآليتين: آلية موروثة، وآلية مدروسة. أقولُ هذا وأنا أضمر كامل التقدير لسلفنا الصالح، وأعترف بعظيم فضلهم علينا جميعا، وأنه لولا ما نقلوه بأمانة ووعي لما استطعنا أن نجرؤ على هذا القول، ولكن الحب والتقدير شيء، وتقرير الحقيقة شيء آخر )). ومكمن الخطأ في مفاضلة أبي صفية هذه، في أمرين: أحدهما: أنه افترض في المتأخرين من المفسرين إمكانية الوقوف على المعنى اللغوي الدقيق لكلمات القرآن عن طريق الدراسة، مع أن تدوين اللغة ومعاني ألفاظها وتراكيبها ـ الذي هو السبيل الأساس لدراسة اللغة ـ لم يكن ليُعنى بمعنى اللفظ في وقت الرسالة ومكانها خاصة، بل امتد على مدى أكثر من أربعة قرون وشمل أكثر من مكان كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ومن هنا كثرت ظاهرة الاشتراك في العربية مع أن الأصل هو محدودية هذه الظاهرة جدا، لأنها تخل بالتفاهم. وهذه المشكلة الناجمة عن تطور اللغة وتعددها وجمعها في فترات متباعدة وأماكن مختلفة لم يكن يعاني منها الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، لما اختصوا به من معاصرة الوحي زمانيا ومكانيا. فكيف يكون المتأخرون، مع ذلك، أعلم من الصحابة بالمدلولات اللغوية للقرآن؟! والآمر الآخر: أنه افترض أن المتأخرين قد وقفوا على جميع أسباب النزول وجميع القرائن الحالية المحتفة بالنص القرآني عن طريق النقل، مع أنك لو بحثت في عدد الآيات التي نُقلت أسباب نزولها أو التي نُقل شيء من القرائن الحالية المحتفة بها لوجدته عددا ضئيلا بالنسبة إلى غيره، مما يعني أن عددا ليس بالهين من أسباب النزول قد لا يكون نُقل إلينا. أما القرائن الحالية فلا شك أنها لم تنقل لنا جميعها؛ إذ من القرائن الحالية ـ كما قال إمام الحرمين ـ ما لا تبلغه غايات العبارات ولا يستطيع أن يصفه الواصفون.

(2) السرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت