وعليه، فـ (( استجابة المخاطب ) )لا تؤثر على معنى الخطاب بذاتها، بل بواسطة ما انطوت عليه من القرائن التي وقف عليها المخاطب أثناء تلقيه الكلام. وبذا يمكننا القول بأن استجابة المخاطب ليست هي (( قرينة الخطاب ) )مباشرة، بل هي (( قرينة قرائن الخطاب ) ). ولقد انتبه الأصوليون إلى هذه الآلية في تأثير (( استجابة المخاطب ) )على معنى الخطاب، وذلك عندما بينوا سبب حجية العمل بأقوال وأفعال الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، سواء تلك التي تؤثر على النصوص الشرعية بالتخصيص والتقييد والتأويل والتفسير والترجيح، أو تلك التي تؤسس أحكاما جديدة. قال الشاطبي، رحمه الله تعالى: (( بيانُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيانٌ صحيح لا إشكال في صحته ... وأما بيان الصحابة: فإن أجمعوا على ما بينوه فلا إشكال في صحته أيضا ... وإن لم يجمعوا عليه فهل يكون بيانُهم حجةً، أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين:
أحدهما: معرفتهم باللسان العربي فإنهم عرب فصحاء لم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم، فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة.
والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة، فَهُم أقعدُ في فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات أو تخصيص بعض العمومات فالعمل عليه صواب. وهذا إن لم يُنقل عن أحدٍ منهم خلافٌ في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية. مثاله قوله، عليه الصلاة والسلام: (( لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر ) ) [1] . فهذا التعجيل يحتمل أن يُقصد به إيقاعه قبل الصلاة، ويحتمل أن لا، فكان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان يصليان المغرب قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة، بيانا أن هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة، بل إذا كان بعد الصلاة فهو تعجيل أيضا، وأن التأخير الذي يفعله أهل المشرق [لعلّه يقصد الشيعة] شيءٌ آخر داخلٌ في التعمّق المنهي عنه، وكذلك ذُكر عن اليهود أنهم يؤخرون الإفطار، فنُدب المسلمون إلى التعجيل ... وتأمَّل: فعادةُ مالك ابن أنس في موطئه وغيره الإتيانُ بالآثار عن الصحابة مبينا بها السنن، وما يُعمل به منها وما لا يُعمل به، وما يُقيَّد به مطلقاتها، وهو دأبه ومذهبه لما تقدم ذكرُه )) [2] .
وقال ابن تيمية بأنه يجب الرجوع في التفسير، بعد الكتاب والسنة، إلى (( أقوال الصحابة ) )والسبب في ذلك هو: (( أنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي
(1) البخاري، الصحيح، (1821) . كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار. مسلم، الصحيح، (1838) كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 337 ـ 339.