فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 384

راوي الحديث، وهو عبد الله ابن عمر، حيث كان ـ كما قال نافع ـ (( إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ ) ) [1] .

ومن أمثلة ذلك، أيضا، قول غير واحد من الفقهاء بتخصيص نهيه، صلى الله عليه وسلم، عن الاحتكار بالقوت عند الحاجة إليه والغلاء، عملا بقرينة عمل راوي الحديث، فعن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب يحدِّث أن معمرًا قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (( من احتكر فهو خاطئ ) )فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: إن معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر [2] . قال النووي، رحمه الله: (( وأما ما ذُكر في الكتاب عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون وهو الصحيح ) ) [3] .

والسبب في امتلاك (( استجابة المخاطب ) )قدرةً على التأثير على معنى الخطاب هو أن هذه الاستجابة تعبِّر عن طبيعة فهم المخاطب للمعنى المقصود من الخطاب. والمخاطَب هو، فيما يُفترض، أكثر قدرة من غيره على فهم المراد بالخطاب الموجّه إليه، وذلك لأنه يباشر الكلام فيقف على كل القرائن المشاهدة والمسموعة التي احتفت به. أما غير المخاطب به فلا يباشره بل يُنقل إليه الكلام نقلا، وبالنقل يفقد الكلام قدرا لا بأس به من القرائن التي احتفت به، وبالتالي يخسر شيئا من دقة معناه؛ ولذا قال ابن جني ـ وقد أوردنا كلامه سابقا ـ (( الحمّالون والحمَّاميُّون والسّاسة والوقَّادون، ومن يليهم ويُعتدُّ منهم، يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصِّله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أُخبر به عنه، ولم يسمعه ينشده ) ) [4] . وقد يفقد الخطاب معناه كاملا عن طريق النقل، ولذا ينحصر فهم المقصود منه بالمباشر له فقط، كما في بيت الأعشى:

إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدر القناة أطاع الأمير

قال القاضي الجرجاني: (( إن هذا البيت كما تراه سليم النظم من التعقيد، بعيد اللفظ عن الاستكراه، لا تُشْكِلُ كل كلمة بانفرادها على أدنى العامة، فإذا أردت الوقوف على مراد الشاعر فمن المحال عندنا والممتنع في رأيي أن تصل إليه، إلا من شاهد الأعشى يقوله فاستدل بشاهد الحال وفحوى الخطاب، أما أهل زماننا فلا أجيز أن يعرفوه ) ) [5] .

(1) البخاري، الصحيح، (1965) كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار.

(2) مسلم، الصحيح، (3012) كتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات.

(3) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 11، ص 43.

(4) ابن جني، الخصائص، ج 1، ص 246.

(5) انظر: خليل، العربية والغموض، ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت