من المعتبرين في الدين من مال عن التوسط، فاعلم أنَّ ذلك مراعاة منه لطرفٍ واقع أو متوقع في الجهة الأخرى، وعليه، يجري النظر في الورع والزهد وأشباههما، وما قابلها )) [1] .
? وأما المعرفة بالحال الطارئة للمخاطَب عند الخطاب:
فهي المعرفة بحاله قبل وبعد توجه الخطاب إليه، وعليه فهي قسمان:
أحدهما: المعرفة بالحال الطارئة له قبل توجه الخطاب إليه:
والآخر: المعرفة بالحال الطارئة له بعد توجه الخطاب إليه:
فأما المعرفة بالحال الطارئة القبلية: فمثالها أن نعرف حال المخاطب قبل توجه الخطاب إليه: هل كان حزينا أم فرحا، مقبلا أم مدبرا، راضيا أم غاضبا، فارغا أم مشغولا، نظيفا أم متسخا ... الخ، فقد يُعلم المقصود من قول رجل لامرأته في ظرف ما: (( ما هذا الجمال! ) )، من خلال رؤية المرأة قبل توجه الخطاب إليها: فإذا كانت متجمِّلة كان مقصودُه التغزل، وإذا كانت متبذِّلة كان مقصوده الانتقاد، أو تنبيههَا على ما يكره من تبذلها حتى تجتنبه.
وأما المعرفة بالحال الطارئة البعدية: فهي المعرفة بـ (( الاستجابة ) )التي أحدثها الكلام في المخاطب. ومثالها أن نعرف حال المخاطب بعد توجه الخطاب إليه: هل حزن أم فرح، عبس أم ضحك، رضي أم غضب، أقبل أم أدبر، تكلم أم سكت. وإذا تكلم فماذا قال؟ وإذا سكت فماذا فعل؟، وهكذا ... . وفي المثال الذي قال فيه الزوج لزوجه: (( ما هذا الجمال! ) )يمكننا معرفة مقصود الزوج من هذه العبارة من خلال الوقوف على طبيعة الاستجابة التي قامت بها المرأة بعد توجه الخطاب إليها، فإذا رأيناها فرحت وانتشت علمنا أن مقصود زوجها كان هو التغزل والتلطف. أما إذا رأيناها حزنت وعبست، علمنا أنه أراد غير ذلك.
وأما بخصوص النص الشرعي، فلقد انتبه الفقهاء والأصوليون أيما انتباه إلى الاستجابة التي يولدها النص في المخاطبين به من الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، كقرينة مؤثرة على معنى النص نفسه. ومن هنا قال كثير منهم بتحكيم (( عمل الراوي ) )في مدلول النص تخصيصا وتقييدا وتأويلا وتفسيرا وترجيحا. و (( عمل الراوي ) )، بلا شك، يمثِّل نوعا من الاستجابة التي يولدها الخطاب في المخاطب بعد تلقيه الخطاب.
ومن أمثلة ذلك تفسير الشافعية للتفرق الوارد في قوله، صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ) ) [2] بتفرق الأبدان لا بتفرق الكلام، عملا بقرينة عمل
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 67،68.
(2) البخاري، الصحيح، (1965) كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار.