أحدث إنسانٍ منهم سِنَّا، فيقول: إن يَعِشْ هذا حتى يدركه الهرم قامت عليكم ساعتُكم )) [1] . (( قال عياض: حديث عائشة هذا يفسِّر حديث أنس، وأن المراد ساعةُ المخاطبين، وهو نظير قوله ـ صلى الله عليه وسلم: (( أرأيتَكم ليلتكم هذه؛ فإنَّ على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها الآن أحد ) ) [2] . وقد تقدَّم بيانُه في كتاب العلم، وأنَّ المراد انقراضُ ذلك القرْن، وأنَّ من كان في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا مضت مائة سنة من وقت تلك المقالة، لا يبقى منهم أحد )) [3] .
ومما يبرهن على مراعاة النص الشرعي لأحوال المخاطبين به، وأنه ينبغي علينا عند تلقيه أن لا نغفل هذه الحقيقة فنلاحظ خصوصية المخاطب به، ما أورده الشاطبي من الأخبار عند استدلاله على (( تحقيق المناط ) )من طُرُق الاجتهاد [4] .
ومما قاله الشاطبيُّ في هذا الصدد أيضا: (( الشريعةُ جاريةٌ في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسْطٍ لا ميل فيه، الداخلِ تحت كسب العبد من غير مشقةٍ عليه ولا انحلال، بل هو تكليفٌ جارٍ على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غايةَ الاعتدال ... فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلَّف، أو وجود مَظِنَّةِ انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع رادًّا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجهٍ يميل فيه إلى الجانب الآخر، ليحصل الاعتدال فيه، فِعْلَ الطبيب الرفيق يَحمل المريض على ما فيه صلاحُه بحسب حاله وعادته وقوة مرضه وضعفه، حتى إذا استقلَّت صحتُه هيَّأ له طريقا في التدبير وسطا لائقا به في جميع أحواله ... ) ) [5] . ثم قال، بعد أن أورد جملةً من الدلائل على ما قال: (( وهكذا تجد الشريعة أبدا في مواردها ومصادرها. وعلى نحو من هذا الترتيب يجري الطبيب الماهر، يُعطي الغذاءَ ابتداءً على ما يقتضيه الاعتدال في توافق مزاج المغتذي مع مزاج الغذاء، ويُخبر من سأله عن بعض المأكولات التي يجهلها المغتذي أهو غذاء أم سم أم غير ذلك. فإذا أصابته علّةٌ بانحراف بعض الأخلاط، قابَلَهُ في معالجته على مقتضى انحرافِه في الجانب الآخر؛ ليرجع إلى الاعتدال، وهو المِزاج الأصلي والصحة المطلوبة ... فإذا نظرت في كلِّيَّةٍ شرعيّة [أي: إلى دليل شرعي عام] فتأمّلها تجدها حاملةً على التوسط، فإنْ رأيت ميلا إلى جهةِ طَرَفٍ من الأطراف، فذلك في مقابلة واقعٍ أو متوقَّعٍ في الطرف الآخر. فَطَرَفُ التشديد، وعامةُ ما يكونُ في التخويف والترهيب والزجر، يُؤتى به في مقابَلة من غَلَبَ عليه الانحلال في الدين. وطَرَفَ التخفيف، وعامةُ ما يكونُ في الترجية والترغيب والترخيص، يُؤتى به في مقابَلة من غَلَبَ عليه الحرجُ في التشديد ... وعلى هذا إذا رأيت في النقل
(1) مسلم، الصحيح، (5248) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة.
(2) مسلم، الصحيح، (4605) كتاب فضائل الصحبة، باب قوله لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 11، ص 363.
(4) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج 4، ص 99 ـ 103.
(5) الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 163.