فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 384

مخاطبين تعود بالتأثير على النص. وأما الذي يقع بين الرتبتين، وهم العرب وقت الرسالة، فسنتناوله تحت نوع آخر من أنواع القرائن الحالية هو ما سنطلق عليه (( بيئة الخطاب ) ).

إذن، (( حال المخاطب ) )في اصطلاحنا هو حال المخاطَب المحدد، لا العام في الزمان والمكان، ولا العرب وقت الرسالة.

فإذا تقرر ما سبق فاعلم بأن لحال المخاطب تأثيرا لا يخفى على معنى الخطاب الموجّه إليه. وعدمُ الالتفات إلى هذه الحال قد يوقع في الخطأ أو يؤدي إلى اللبس في فهم الخطاب. وخذ مثالا على ذلك ما روى أنسُ بن مالك، رضي الله عنه: (( أن رجلا [وفي رواية: من الأعراب] سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متى تقوم الساعة؟ وعنده غلامٌ من الأنصار يُقال له محمد. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنْ يَعِش هذا الغلام فعسى أن لا يدركَه الهرم حتى تقوم الساعة ) ) [1] .

ظاهر هذا الحديث، أن الساعة لن تتأخر كثيرا، وأنها ستقوم قبل أن يهرم الغلام. فإذا أخذنا الحديث هذا المأخذ، وقعنا في ورطة التناقض مع الحس والواقع، وحينئذ أما أن نجزم بوضع الحديث. وفي هذا ما فيه بالنسبة لحديثٍ رواه الشيخان. وإما أن نؤوِّله ـ تأويلا غير متكلف ـ لا سيما إذا وُجدت قرائن تدعم هذا التأويل. وهذا بالفعل ما قام به بعض شراح الحديث إذ جعلوا الحديث من قبيل مراعاة أحوال المخاطب، فقال الداودي [2] : (( المحفوظ أنه، صلى الله عليه وسلم، قال ذلك للذين خاطبهم بقوله: (( تأتيكم ساعتُكم ) ), يعني بذلك موتهم , لأنهم كانوا أعرابا فخَشِي أن يقول لهم: لا أدري متى الساعة، فيرتابوا، فكلَّمهم بالمعاريض )) [3] . وقال في مناسبة أخرى: (( هذا الجواب من معاريض الكلام، فإنه لو قال لهم: لا أدري، ابتداء، مع ما هم فيه من الجفاء، وقبل تمكُّن الإيمانِ في قلوبهم لارتابوا، فعَدَلَ إلى إعلامهم بالوقت الذي ينقرضون هم فيه، ولو كان تَمَكَّنَ الإيمانُ في قلوبهم لأفصح لهم بالمراد ) ) [4] .

ومما يُؤيِّد تأويل الداودي المذكور ما روته عائشة، رضي الله عنها، قالت: (( كان الأعراب إذا قدموا على النبي، صلى الله عليه وسلم، سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فينظر إلى

(1) البخاري، الصحيح، (5701) ، كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجللا ويلك. ومسلم، الصحيح، (5249) ، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة، واللفظ له.

(2) هو: أحمد بن نصر الداودي الأسدي أبو جعفر، من أئمة المالكية بالمغرب، كان بطرابلس ثم انتقل إلى تلمسان. وكان فقيها فاضلا متقنا مؤلفا مجيدا، له حظٌّ من اللسان والحديث والنظر. من كتبه: النامي في شرح الموطأ، والواعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، والإيضاح في الرد على القدرية، وغير ذلك. تُوفي بتلمسان سنة 402 ه‍. انظر: ابن فرحون: إبراهيم بن علي، الديباج المذهب في علماء المذهب، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 35.

(3) نقله عنه، ابن حجر، فتح الباري، ج 10، ص 556.

(4) نقله عنه، ابن حجر، فتح الباري، ج 11، ص 363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت