فيه )) [1] . وقال الزركشي: (( مما عُرف بالضرورة من دينه، عليه السلام: أن كلَّ حكم تعلّق بأهل زمانه فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة ) ) [2] .
ويذكر الأصوليون في صدد الاحتجاج على هذا المبدأ الحديث: (( حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ) )، وليس له أصل. ويغني عنه قوله، صلى الله عليه وسلم: (( إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة ) ) [3] . وحتى الظاهرية الذين أنكروا القياس لم ينكروا هذا النمط من القياس ـ إن جاز لنا وصفه بذلك ـ الذي يتم فيه قياس شخص على شخص آخر بجامع الاشتراك في نفس الواقعة. وآلة الأصوليين في تعميم أحكام وقائع الأعيان هي، كما سماها الغزالي، (( تنقيح المناط ) ) [4] .
والذي نعنيه بـ (( حال المخاطب ) )كعنوانٍ أطلقناه على نوعٍ منفصل عن غيره من أنواع القرائن الحالية المؤثرة على معنى الخطاب، هو فقط المخاطب الذي يقع في الرتبة الأولى، وهي رتبة الخصوص، أي المخاطب المعين. أما ما يقع في رتبة العموم؛ فلأجل عمومه في المخاطبين في كل زمان ومكان لا مجال للقول بأن ثمة حالا معينة لمخاطب ما أو مجموعة
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 4، ص 355.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 184، وانظر: العلائي: صلاح الدين الكيكلدي، تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، تحقيق ونشر د. عبد الله آل الشيخ، ط 1، 1403 ه، ص 339.
(3) الترمذي، السنن، (1523) كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء. وابن ماجة، السنن، (2865) كتاب الجهاد، باب بيعة النساء. والنسائي، السنن، (4110) كتاب البيعة، بيعة النساء. وقال الترمذي: حسن صحيح. قال ابن أمير حاج: (( حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ... مشتهر في كلام الفقهاء والأصوليين. قال شيخنا الحافظ، رحمه الله تعالى: ولم نره في كتب الحديث. قال ابن كثير: لم أر له سندا قط، وسألت شيخنا الحافظ المزي وشيخنا الحافظ الذهبي فلم يعرفاه أه. وقد جاء ما يؤدي معناه فأخرج مالك والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه عن أميمة بنت رقيقة: أتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في نسوة نبايعه على الإسلام فقلت يا رسول الله هلم نبايعك فقال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة ) ). ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ج 1، ص 239.
(4) قال الغزالي: (( الاجتهاد الثاني [من الاجتهادات الحاصرة للعلل] تنقيح مناط الحكم. وهذا ... يُقرُّ به أكثر منكري القياس. مثاله: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب وينوطه به، وتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتى يتسع الحكم. مثاله: إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله، فإنا نُلحق به أعرابيا آخر بقوله، عليه السلام: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، أو بالإجماع على أن التكليف يعم الأشخاص. ولكنا نلحق التركي والعجمي به؛ لأنا نعلم أن مناط الحكم وقاع مكلَّف لا وقاع أعرابي. ونلحق به من أفطر في رمضان آخر؛ لأنا نعلم أن المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يوما آخر من ذلك الرمضان. ولو وطئ أمته أوجبنا عليه الكفارة؛ لأنا نعلم أن كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في هذا الحكم، بل يلحق به الزنا؛ لأنه أشد في هتك الحرمة. إلا أن هذه إلحاقات معلومة تنبئ على تنقيح مناط الحكم بحذف ما عُلم بعادة الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل له في التأثير. وقد يكون حذف بعض الأوصاف مظنونا فينقدح الخلاف فيه: كإيجاب الكفارة بالأكل والشرب؛ إذ يمكن أن يُقال: مناط الكفارة كونُه مفسدا للصوم المحترم والجماع آلة الإفساد، كما أن مناط القصاص في القتل بالسيف كونه مزهقا روحا محترمة والسيف آلة فيلحق به السكين والرمح والمثقل، فكذلك الطعام والشراب آلة. ويمكن أن يُقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان شهوته لمجرد وازع الدين فيُحتاج فيه إلى كفارة وازعة بخلاف الأكل. وهذا محتمل. والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عُرف المناط بالنص لا بالاستنباط؛ ولذلك أقر به أكثر منكري القياس، بل قال أبو حنيفة، رحمه الله: لا قياس في الكفارات. وأثبت هذا النمط من التصرف، وسماه استدلالا. فمن جحد هذا الجنس من منكري القياس وأصحاب الظاهر لم يخفَ فساد كلامه ) ). الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 231 ـ 233.