والنوع الآخر: خطاب يُتَوجَّه به إلى الكافرين في كل زمان ومكان. ومثال ذلك كثير من النصوص التي يتصدرها فعل الأمر (( قل ) )كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} (الكافرون:1 - 2) ، وقوله تعالى: {قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (سبأ:25) .
والرتبة الثالثة: رتبة وسط بين العموم والخصوص. والمخاطب المباشر فيها هم العرب في وقت الرسالة. وهم نوعان أيضا مؤمنون وكافرون. ومثال ذلك قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} (الحجرات:14) ، وقوله: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الأنعام:143) ، وقوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} (الأنعام:66) ... وكثيرٌ من الخطاب المكي هو عبارة عن نصوص يُخاطب بها مباشرة كفار مكة خاصة ويُردُّ بها على افتراءاتهم. أما الخطاب المدني فكثيرٌ منه نصوص يُتَوجَّه بها مباشرة إلى المؤمنين أو المنافقين أو اليهود في المجتمع الإسلامي الأول.
هذه هي رتب المخاطبين الثلاث. ومما هو مقرّر في هذا الصدد أن النص الشرعي، أيا كانت رتبة المخاطب المباشر فيه، فهو عام في الزمان والمكان. أي أنه يؤول في النهاية إلى رتبة العموم إلا أن يمنع من ذلك مانع. وحتى الخطاب الموجَّه إلى مخاطَبٍ معين ـ كقوله، صلى الله عليه وسلم، للمجامع في نهار رمضان: (( أعتق رقبة ) )ـ هو عام في الزمان والمكان إلا أن يدل دليل على أنه خاص بمكلف دون مكلف، كقوله، صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة بن نيار: (( تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك ) ) [1] . وعلى هذا جرى العلماء من لدن النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى اليوم. قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: (( إذا حَكَمَ، صلى الله عليه وسلم، في حادثةٍ بين نفسين، كان واجبًا على كل أحد أن يُحكم عليه بمثل تلك الحادثة. وهذا لا أعلم فيه خلافًا ) ) [2] . وقال ابن الصباغ: (( خطابه، صلى الله عليه وسلم، لواحد خطابٌ للجماعة بالإجماع ) ) [3] . وقال الجصاص: (( كلُّ حُكْمٍ حَكَم الله ورسوله به في شخص أو على شخص، من عبادةٍ أو غيرها، فذلك الحكم لازمٌ في سائر الأشخاص إلا إذا قام دليل التخصيص
(1) البخاري، الصحيح، (902) ، كتاب الجمعة، باب الأكل يوم النحر. ومسلم، الصحيح، (3625) ، كتاب الأضاحي، باب وقتها.
(2) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 190.
(3) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 200.