بيانه في النوع الثاني من كتاب المقاصد [يقصد كلامه في عربية الشريعة وأميتها كما أوردناه] فإن فيه ما يثلج الصدر ويورث اليقين في هذا المقام )) [1] .
ومن الأمثلة الجريئة التي يوردها الشاطبي على تأثير معهود العرب على معنى النص مسألة نسبة جهة الفوق إليه، سبحانه. قال، رحمه الله: (( قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} (النحل:50) و {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} (الملك:16) وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم [أي: العرب] في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق. فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض، فلا يكون فيه دليل على إثبات جهةٍ البتة؛ ولذلك قال، تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} (النحل:26) [2] فتأمله واجْرِ على هذا المجرى في سائر الآيات والأحاديث )) [3] .
وأما غير الشاطبي من الأصوليين فقد قال غير واحد منهم بتأثُّر النص بالعادات والأعراف التي كانت جارية في عصر الرسالة حتى أنهم اتفقوا على تخصيص اللفظ العام بمقتضى العادة القولية المقارنة له كتخصيص لفظ الدابة بذوات الأربع مع أن المقتضى اللغوي الوضعي للفظ يشمل كل ما يدب على الأرض من ذوات الأربع وغيرها. وأما العادة الفعلية المقارنة للفظ فقد اختلفوا فيها على ثلاثة مذاهب:
1.الحنفية: وقد قالوا بالتخصيص؛ ولذا حملوا نهيه، صلى الله عليه وسلم، عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل على البُرّ خاصة؛ لأنه كان هو المعتاد في طعامهم.
2.والشافعية: وقد قالوا بعدم التخصيص.
3.والفخر الرازي وجماعة من تابعيه من الشافعية: وقد قالوا بالتفصيل، وهو أن (( العادات: إما أن يُعلم من حالها أنها كانت حاصلة في زمان الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأنه، صلى الله عليه وسلم، ما كان يمنعهم منها. أو يُعلم أنها ما كانت حاصلة. أو [لا] يُعلم واحد من هذين الأمرين.
فإن كان الأول: صح التخصيص بها، لكن المخصص في الحقيقة هو تقرير الرسول، صلى الله عليه وسلم، عليها.
وإن كان الثاني: لم يجز التخصيص بها؛ لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع
(1) المرجع السابق، ج 3، ص 351.
(2) وفي وجه دلالة هذه الآية على المطلوب، قال الشيخ دراز في تعليقه عليها: (( أي: فليست الفوقية لتخصيص الجهة؛ لأن السقف لا يكون إلا فوق، إنما ذلك ذُكر للمعهود فيه ) ). الموافقات، ج 3، حاشية ص 351. والذي أظنه ـ وهو مجرد رأي ـ هو أن وجه الاستدلال فيها مستند إلى قوله تعالى: في بدء الآية، وإن سقط من كتاب الشاطبي: {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم} . فلو فُهم قوله تعالى: (( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) )على ظاهره لاقتضى ذلك إثبات جهة التحت؛ لأن إتيان القواعد لا يكون إلا من هذه الجهة، فلما لم يكن هذا مسلما ولم تُثبت هذه الآية جهة التحت، فكذلك لم تثبت الآيات السابقة جهة الفوق. والله أعلم.
(3) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص، 351،352.