وإن كان الثالث: كان محتملا للقسمين الأولين، ومع احتمال كونه غير مخصص لا يجوز القطع بذلك )) [1] .
وقال أبو البركات ابن تيمية: (( تخصيص العموم بالعادة بمعنى قصره على العمل المعتاد كثير المنفعة. وكذا قصرُه على الأعيان التي كان الفعل معتادا فيها زَمَنَ التَّكَلُّم. ومن هذا قصْرُ أحمد لنهيه، صلى الله عليه وسلم، عن البول في الماء الدائم، على ما سوى المصانع المحدثة بعده. وكذلك قصْر النهى عن المخابرة وكراء الأرض والمزارعة على ما كانوا يفعلونه ... ) ) [2] .
وكذا تطرق الأصوليون لتأثير العادة على (( المفهوم المخالف ) )فذكروا بأن الوصف إذا خرج على المعتاد الأعم الأغلب فإنه لا مفهوم له. قال الآمدي: (( اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج الأعم الأغلب لا مفهوم له. وذلك كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} (النساء:23) ، وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} (النساء:35) ، وقوله، صلى الله عليه وسلم: (( أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها فنكاحها باطل ) ) [3] ، وقوله، صلى الله عليه وسلم، (( فليستنج بثلاثة أحجار ) ) [4] ، فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع هذه الصور إنما كان لأنه الغالب: إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحجر، وأن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، وأن المرأة لا تزوج نفسها إلا عند عدم إذن الولي لها وإبائه من تزويجها، وأن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة )) [5] .
(1) الرازي، المحصول، ج 1، ص 452. وانظر تفصيل الأقوال في المسألة: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 391. أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 278. والآمدي، الإحكام، ج 2، ص 358. والقرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 165. وابن أمير حاج، التقرير التحبير، ج 1، ص 350. ولأستاذنا الفاضل د. محمود جابر، حفظه الله تعالى، بحث خاص في هذه المسألة أسماه تخصيص العام بالعرف عند الأصوليين استقصى فيه أقوال الأصوليين وأدلتهم في المسألة متقدميهم ومتأخرهيم، ذاهبا في نهاية المطاف إلى رأي الجمهور القائل بعدم جواز التخصيص بالعادة الفعلية المقارنة للنص لأن النصوص هي الحاكمة على العادات لا العكس. وعلى من أراد التوسع في المسألة أن يعود إلى البحث فإنه شاف كاف، وقد نشرته، مجلة دراسات، علوم الشريعة والقانون، المجلد 28، العدد 1، أيار 2001.
(2) آل تيمية، المسودة، ص 11،112.
(3) الترمذي، السنن، (1021) ، كتاب النكاح، ما جاء لا نكاح إلا بولي. أبو داود، السنن، (1784) كتاب النكاح، باب في الولي. ابن ماجة، السنن، (1869) ، كتاب النكاح، لا نكاح إلا بولي. وقال الترمذي: حسن.
(4) البخاري، الصحيح، (152) بمعناه، كتاب الوضوء، باب لا يستنجى بروث.
(5) الأمدي، الإحكام، ج 3، ص 109.