فهرس الكتاب
البلد الحرام: (( لا يعضد شوكه ) ) [1] : إنه يُخص منه الشوك الذي يعترض طريق الحجيج فيُباح قطعه. والعمدة في هذا التخصيص القياس على إباحته، صلى الله عليه وسلم، قتل الخمس الفواسق في الحرم، إذ العلة في إباحة قتل الفواسق وقطع الشوك المعترض واحدة، وهي وجود الأذى من كل منهما [2] .
وتخصيص العموم بالقياس مسألة مختلفٌ فيها بين العلماء، والراجح فيها، والله أعلم، أن القول بالتخصيص وعدمه ليسا مطلقين وإنما يتوقفان على قوة العموم وقوة القياس. فالقياس القوي يخصص العموم الضعيف. والقياس الضعيف لا يخصص العموم القوي. أما القياس القوي والعموم القوي، وكذا القياس الضعيف والعموم الضعيف فيتعارضان ويُطلب لهما الترجيح.
وأما الشكل الثاني، وهو معارضة المصلحة للنص، فتُمثِّله (( مسألة الترس ) ). وهي مسألة ما إذا تترَّس أو احتمى الكفار بمجموعة من أسرى المسلمين، ثم هجموا على المسلمين فهل يُباح رمي الكفار من قِبَل المسلمين حتى لو تضمن ذلك قتل هؤلاء الأسرى يقينا. ففي هذه الواقعة تتعارض مصلحة حفظ نفوس باقي الأمة، المأخوذة من نصوص عدة ـ منها مثلا النص الموجِب للقصاص ـ تتعارض هذه المصلحة مع عمومات النصوص المحرِّمة لقتل النفس المسلمة، كقوله، صلى الله عليه وسلم: (( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه ) ) [3] . فهل نُقدِّم عموم النص أم نقدم مصلحة حفظ نفوس الأمة؛ لاسيما أن الكفار سيقتلون ـ إذا تمكنوا من هزيمة المسلمين ـ عددا منهم أكبر من عدد الأسرى، وربما قتلوا الأسرى أيضا؟ تعال لنرى ما يقوله الإمام الغزالي في هذه المسألة ثم نذكر رأينا:
قال، رحمه الله: (( إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين: فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا. وهذا لا عهد به في الشرع. ولو كففنا لسلَّطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا. فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتولٌ بكل حال فحِفْظُ جميع المسلمين أقربُ إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يَقصِدُ حسمَ سبيله عند الإمكان، فإن لم نقْدِرْ على الحسم قَدَرْنا على التقليل، وكان هذا التفاتا إلى مصلحةٍ عُلِم بالضرورة كونُها مقصودَ الشرع، لا بدليلٍ واحد وأصلٍ معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر. لكنْ تحصيلُ هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب، غريبٌ لم يشهد له أصلٌ معين [أي:
(1) البخاري، الصحيح (1484) . ومسلم، الصحيح، (2412) .
(2) انظر مزيد توضيح لهذا المثال: صالح، أثر تعليل النص على دلالته، ص 107.
(3) مسلم، الصحيح (4650) .