فهرس الكتاب
على الأصل بالتخصيص، منع من حيث إن القياس ليس تفسيرًا للألفاظ، فيجب معرفة الحكم أولًا، ثم طلب علته.
وهذا فيما يتقدمُ الحكمُ في الفهم على العلة والمعنى، ولا يكون المعنى قرينة، فالمعنى في هذه الأمثلة ونظائرها سابق إلى الفهم، وهو قائم مقام القرينة المفسِّرة للفظ، المقرِّرة لمعناه في الفهم، فلم يكن من ذلك القبيل.
فأما ما لا يسبق إلى الفهم، ويُستنبط بالتأمل والنظر فلا يُتجاسر به على كل تخصيص، ولا يحُسم أيضًا بابُ التخصيص به، بل يجوز أن يُعتمد عليه ويُخرج به عن اللفظ ما يقع موقع النادر البعيد عن الفكر، بالإضافة إلى المراد، وهو الذي لا يخطر بالبال إلا بالإخطار، ويقع نادرًا في قبيل ذلك الحكم، وهذا كقوله، صلى الله عليه وسلم: (( أيّما إهاب دُبغ فقد طَهُر ) ) [1] ، فقد ذَكَرَ للطهارة سببًا، وهو الدباغ، واقتضى عمومُه طهارةَ جلد الكلب بالدباغ.
وقد استنبط الشافعي، رضي الله عنه، من الدباغ معنى، بالنظر الصحيح والفكر المستقيم، وهو أن الدباغ يبعد الجلد عن العفونات ويعصمه عن الفساد، ويؤثر فيه مثل تأثير الحياة، ويقوم مقامها في التأثير واقتضاء الطهارة.
واقتضى مساقُ هذا الكلام إخراجَ جلد الكلب منه، بعد تناوله، بدليل أن الكلب نجس في حال الحياة.
فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص، وليس أمثالُه ممنوعًا؛ إذ العام يُطلق ويُراد به الخاص، وهو غالب في عادة العرب، واتباع المعنى أولى من الجمود على الصيغة )) [2] .
وفي هذا النوع من تأثير العلة التشريعية للنص على النص نفسه، لا يظهر لدينا فرق بين أن تكون العلة التشريعية من قبيل الوصف المناسب أو من قبيل المصلحة، وذلك لأن معارضة الوصف المناسب لأصله يقتضي بالضرورة معارضة المصلحة له، لأن المصلحة إنما تنبني أصلا على الوصف المناسب. وكذا معارضة المصلحة لأصلها تستلزم بالضرورة سبق معارضة الوصف المناسب لذلك الأصل.
وأما النوع الثاني من نوعي تأثير العلة التشريعية على النص ـ وهو تأثير هذه العلة على نص آخر، ليس هو أصلها الذي انبثقت عنه ـ فيتخذ شكلين:
أحدهما: معارضة الوصف المناسب للنص.
والشكل الثاني: معارضة المصلحة للنص.
فأما الشكل الأول فخيْرُ ما يمثِّله مسألة تخصيص العموم بالقياس، أو قل: تخصيص عموم النص بعلة نص آخر. ومثال ذلك ما قيل في عموم قوله، صلى الله عليه وسلم، في
(1) مسلم، الصحيح، (547) .
(2) الغزالي، شفاء الغليل، ص 83 - 87 مع حذف ما لا حاجة إليه.