فهرس الكتاب
حُرمت لأجل ما يترتب على شربها من حدوث العداوة والصد عن ذكر الله.
كما يصح أن يُقال بأنها:
حُرمت لأجل ما يترتب على شربها من الخبائث والمعاصي والجرائم.
فإذا أدركت نوعي العلة التشريعية هذين: الوصف المناسب، والمصلحة، فاعلم بأن لكل منهما تأثيرا ما على النص.
ونستطيع أن نميز في تأثير العلة التشريعية، بنوعيها، على النص نوعين من التأثير:
أحدهما: تأثير العلة التشريعية للنص على النص نفسه.
والنوع الثاني: تأثير العلة التشريعية للنص على نص آخر.
أما النوع الأول، الذي هو تأثير العلة التشريعية للنص على النص نفسه، فمثاله ما سبق لنا إيراده من اجتهاد ابن عباس، رضي الله عنه، في رفع وجوب الغسل يوم الجمعة [1] . ويُمثل له، أيضا، بتخصيص الشافعي للمحارم من عموم (( النساء ) )في قوله، تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (النساء:43) في كون لمسهن لا ينقض الوضوء، بناء على أن علة نقض النساء عموما للوضوء إنما هي مَظِنَّة وجود الشهوة جرّاءَ لمسهن، والمحارم لسن مظنة للشهوة [2] ، وبالتالي يخرجن عن عموم اللفظ.
والمختار في جواز عود العلة على النص المنتِج لها بالتخصيص، أو غيره من أنواع التأثير، هو ما رآه الإمام الغزالي، رحمه الله تعالى، حيث قال: (( والذي يظهر لنا في ضبط هذا النوع من التخصيص، وما يجوز منه وما يمتنع ـ والعلم فيه عند الله تعالى ـ أن المعاني [أي: العلل] المفهومة من النصوص تنقسم إلى:
1.ما يسبق مع اللفظ إلى الفهم سبقًا لا يتراخى عنه، وقد يكون المعنى أسبق إلى الفهم من اللفظ، وقد يكون مساويًا له، وقد يتراخى عنه قدر التأمل القليل من فهم البصير.
وإلى:
2.ما لا يسبق إلى الفهم، ولكنه يُستنبط بالسبر والنظر ويُستبان بدقيق الفكر.
وهذا الانقسام في الأصل معلوم، وهو من قبيل الغضب الذي ذكرناه [في نهيه، صلى الله عليه وسلم، عن قضاء القاضي وهو غضبان] إذ لا يسبق إلى الفهم منه إلا اضطراب العقل إذا ذُكر مقرونًا بتحريم القضاء.
فما يجري هذا المجرى، فتحكيمه في النقصان والزيادة، وتغيير الحكم إلى الخصوص من العموم وإلى العموم من الخصوص ـ جائزٌ على نَسَقٍ واحد، من حيث إن من منع العلة التي تعكِّر
(1) ص 301.
(2) انظر: الشربيني: محمد الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الفكر، بيروت، ج 1، ص 34.