فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 384

الخبائث )) [1] . ومن هنا، أيضا، قال علي، رضي الله عنه، في عقوبة شارب الخمر: (( إنه إذا شرب سكر. وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى ) ) [2] . وعلى أية حال فيمكننا أن نميز في قصد الشارع من تشريع الحكم أمرين:

أحدهما: العلة الأولى، وهي أول وصف مناسب يمكن لنا أن ننوط الحكم به، كعلة منع الإسكار بالنسبة لحكم تحريم الخمر. ولنسم هذه العلة بـ (( الوصف المناسب ) ).

والأمر الآخر: ما بعد العلة الأولى من العلل: وهي المصلحة ـ أو المصالح ـ المترتبة على نوط الحكم بالعلة الأولى، أي المصلحة المترتبة على نوط الحكم بالوصف المناسب، سواء أكانت هذه المصلحة تأتي في مرحلة تاليةٍ مُبَاشرةً لمرحلة الوصف المناسب، أو تأتي فيما بعد ذلك من مراحل، أي سواء أكانت هذه المصلحة هي علةَ الوصف المناسب، أو علةَ علةِ الوصف المناسب، أو علة ما يلي ذلك. وهذا كمصلحة (( منع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ) )بالنسبة لتحريم الخمر، أو المصالح المترتبة على منع ما ذُكر. ولنسم هذه العلة المتأخرة بـ (( المصلحة ) ). وهي تُسمى، أحيانا، بـ (( الحكمة ) )، وبـ (( حكمة التشريع ) ).

وعليه، فعلة الحكم، التي هي قصد الشارع من تشريع الحكم، قسمان:

الوصف المناسب المتوخّى حصوله من جراء تشريع الحكم.

المصلحة المتوخّى حصولها من جراء تشريع الحكم.

فمثلا، تحريم بيع ثوبٍ من ثلاثة أثواب أو شاةٍ من قطيع إنما هو لإرادة رفع الجهالة عن السلعة المبيعة. فهذا هو الوصف المناسب المتوخى حصوله من تشريع الحكم. أما المصلحة المترتبة على هذا الوصف فهي رفع التنازع والاختلاف الذي قد ينجم عن الجهالة لو كانت موجودة.

ومثلا، إيجاب القصاص إنما هو لإرادة الزجر عن القتل ومنعا للثأر. فهذا هو الوصف المناسب المتوخى حصوله من تشريع الحكم. أما المصلحة المترتبة على هذا الوصف فهي تقليل القتل ما أمكن. ومن هنا قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:179) .

ومما لا يخفى أن: الوصف المناسب، والمصلحة، يصح تعليل الحكم بأيِّهما. أي أنه يصح أن يُقال بأن الخمر:

حُرِّمت لأجل ما يترتب على شربها من حدوث السُّكر.

كما يصح أن يُقال بأنها:

(1) النسائي، السنن، (5572) .

(2) مالك، الموطأ، ج 2، ص 842.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت