فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 384

وما نختاره في تعريف علة الحكم هو أنها: غرض الشارع من تشريع الحكم. وإذا لم يعجبك لفظ (( الغرض ) )لإيحائه بالحاجة والنقص، وتحسُّس بعض المدارس الكلامية منه، فقل: هي قصد الشارع من تشريع الحكم.

ومِيْزَةُ هذا التعريف الذي اخترنا، فضلا عن سلاسته، أنه سالم من الطعون التي يُمكن توجيهها إلى غيره من التعريفات التي عُرِّفت بها العلة.

فمن قالوا بأن العلة هي المعرِّف للحكم، يتوجه عليهم أن المعرف للحكم هو النص لا العلة. ويتوجه عليهم، أيضا، أن هذا التعريف لا يمنع من دخول العلامة المحضة، كالأذان في دلالته على دخول الوقت، وفرقٌ بين العلامة والعلة باتفاق. ويتوجه عليهم، ثالثا، دخول السبب في تعريف العلة. فالسبب هو معرف لوقت تطبيق الحكم، كالسفر المعرف لمشروعية القصر.

ومن قالوا بأن العلة هي الداعي إلى الحكم، أو الباعث على الحكم، أو الجالب للحكم، أو ما لأجله شُرع الحكم، وما إلى هذه التعريفات المترادفة تقريبا، يتوجه عليهم دخول سبب الحكم في التعريف. وسبب الحكم، هو المقتضي الخارجي للحكم، كالزنا سبب لوجوب الجلد أو الرجم. والردة سبب لوجوب القتل، ودخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، والرضاع سبب لتحريم النكاح ... وهكذا. والأولى أن نفرق بين سبب الحكم وعلته.

فإن قيل: يمكننا تعريف العلة بأنها الباعث النفسي على الحكم. وبهذا يتم الاحتراز عن السبب؛ لأنه باعث خارجي لا نفسي، فنقول: هذا معقول. ولكن لا تُستساغ نسبة البعث النفسي إلى الله جل وعلا.

إذن، العلة: هي القصد من تشريع الحكم. وبهذا التعريف نتقي الطعون التي ذكرنا.

فإذا تقرر ما قلنا، فإن قصد الشارع من الحكم يخضع ـ كما سبق لنا الحديث عن ذلك في الفصل الأول عند الحديث عن حقيقة الغاية [1] ـ لما يُسمى عند المتكلمين بـ (( تسلسل العلل ) ): أي أنه ثمة علة أولية للحكم ثم علة للعلة ثم علة لعلة العلة، وهكذا ... . فمثلا، العلةُ من تحريم الخمر هي منع حدوث السكر المترتب على شربها. فهذه هي العلة الأولى لتحريم الخمر. وأما علة العلة فهي منع ما يترتب على حدوث السكر من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، كما هو مقتضى الآية الناصة على التحريم. وأما علة علة العلة فهي منع حدوث ما يترتب على العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله والصلاة من مفاسد ومعاص جمة كالقتل والقذف والزنا ... الخ، ومن هنا سُميت الخمر، كما في الحديث، بـ (( أم

(1) انظر: ص 47 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت