فهرس الكتاب
الباب على الرسالة المذكورة. ومن أُحيل على مليء فليتبع ... . ونكتفي هنا بالتطرق إلى ما فاتنا التطرق إليه هناك، فنقول:
فرقٌ بين علة الخطاب أو النص وبين علة الحكم. وليس بوسعنا الوقوف على هذا الفرق حتى نعْرِف الفرق أصلا بين النص والحكم. والفرق بينهما يتلخص في أن الحكم ليس هو إلا معنى خاص من المعاني التي يدل عليها النص [1] . وعليه، فالنص هو محل الحكم، والحكم هو أثرٌ من آثار النص. وقد يكون النص محلا لمجموعة من الأحكام في الوقت نفسه، كقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (البقرة:187) فقد أفاد إباحة الجماع ليلة الصيام عبارةً، وأفاد إباحة الإصباح جنبا في نهار رمضان إشارةً. وقد يكون النص خبريا كالقَصص لا إنشائيا كالأوامر والنواهي. ويترتب على ذلك أن لا يكون محلا لأي حكم تكليفي اللهم إلا وجوب التصديق بما أخبر به النص.
وبما أن الحكم هو معنى من معاني النص التكليفي، فعلة الحكم، إذن، هي جزء من علة النص المشتمل على الحكم، وليست هي علة النص جميعها. فهذا هو الفرق بين علة النص وعلة الحكم وحاصله أن علة النص أعم وأشمل من علة الحكم. والذي نراه هو أن أي نص تكليفي (= اقتضائي أو تخييري) لا بد فيه من أن يشتمل، على الأقل، على نوعين من العلة:
1.العلة التشريعية.
2.والعلة البيانية.
وكل واحدة من العلتين تعود على النص نفسه بالتأثير.
أما العلة البيانية فقد سبق لنا إدراجها في قرائن السياق [2] ، لأنها تكاد تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا به، لكنَّ هذا لا يمنع من كونها تقع، في الوقت نفسه، ضمن قرائن الحال؛ وذلك لأن السياق ـ كما سبق أن قلنا ـ هو معدن الكشف عن قرائن الحال في كثير من الأحيان.
وأما العلة التشريعية فهذا أوان الحديث عنها، فنقول:
العلة التشريعية هي علة الحكم، وتعريف علة الحكم ثار حوله جدل كبير بين الأصوليين، وليس من المناسب أن نعرض لهذا الجدل وجذوره ونتائجه في هذا المقام [3] .
(1) وهذا المعنى، الذي هو الحكم، يمكن تحليله إلى معنيين جزئيين: أحدهما: اقتضاء أو تخيير. والآخر متعلق لهذا الاقتضاء أو التخيير، وهو فعل المكلف.
(2) ص 244.
(3) ولم نقف حتى الآن على دراسة تشفي الغليل في تعريف العلة، وأبعاد التعليل وحقيقته، وإن كانت دراسة الأستاذ مصطفى شلبي: (( تعليل الأحكام ) )قد غطت جانبا كبيرا من هذه القضية إلا أن العلة والتعليل ـ من وجهة نظرنا ـ لا زالا بحاجة إلى مزيد من البحث العميق. ولسداد هذا النقص قمنا بدراسة استقصائية شاملة لمعنى العلة بعنوان (( تحقيق معنى العلة ) )وهي لا زالت لم تنشر.