فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 384

ب. يخرج عن محل النزاع ما عمّ بحكم العلة، سواء أكان عاما في اللفظ أم لا، كآية الإحصار، وهي قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (البقرة:196) ، وقد نزلت هذه الآية في إحصار العدو، وذلك حين منع المشركون المسلمين من أداء عمرة الحديبية فرخّصت الآية لهم بالتحلل. فالآية عامة لفظا في جميع أنواع الإحصار، وعليه يجوز لمن حصره المرض مثلا أن يتحلل. وهي عامة أيضا بالعلة؛ لأن علة إباحة التحلل هي عدم إمكانية الوصول إلى البيت الحرام، وهي حاصلة في الحالين. فإذا قلنا بأن عمومها اللفظي مخصوص بالسبب، وهو إحصار العدو، كما هو رأي البعض، فإن هذا لا يمنع أن تكون عامة بالعلة. قال العز بن عبد السلام: ومن التشديد (( ما ذكره الشافعي ومالك، رحمهما الله، في أن التحلل من الحج مختصٌّ بحصر العدو، وقد خولفوا في ذلك؛ لأن الآية دالة على جواز الخروج من الحج بالأعذار؛ فإن (( الإحصار ) )عند المعتبر من أهل اللغة موضوعٌ للأعذار، و (( الحصر ) )موضوعٌ لحصر الأعداء ... فإن قيل: إن قوله {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ... } الآية، نزلت بالحديبية، ولم يكن إحصار عذر، وإنما كان إحصار عدو. قلنا: إذن، دلت على إحصار العدو بمنطوقها، وعلى إحصار العذر بمفهومها، فتناولت الأمرين جميعًا، ونبهت على أن التحلل بحصر الأعذار أولى من التحلل بحصر الأعداء ... والذي ذكره مالك والشافعي لا نظير له في الشريعة السمحة ... فانَّ مَن انكسرت رجلُه، وتعذر عليه أن يعود إلى الحج والعمرة، يبقى في بقية عمره حاسرَ الرأس، متجردًا من اللباس، محرَّمًا عليه النكاح، وأكل الصيود، والتطيب، والادِّهان، وقلم الأظفار، وحلق الشعر، ولبس الخفاف والسراويلات. وهذا بعيدٌ من رحمة الشارع ورفقه ولطفه بعباده )) [1] .

وبهذا التحرير لمسألة عموم اللفظ وخصوص السبب نكون قد انتهينا مما أردنا بيانه في تأثير سبب الخطاب على دلالته، فلنبحث الآن:

? ثانيا: تأثير علة الخطاب على دلالته.

وقد تيسر أثناء الماجستير بحث هذا الموضوع بتوسع في رسالتنا: أثر تعليل النص على دلالته؛ معرفين بهذه المسألة وأطرافها أولا، وذاكرين لأمثلتها في اجتهادات الصحابة الكائنة منهم في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته ثانيا، ومستقصين لأقوال الفقهاء والأصوليين فيها: قدماءَ ومعاصرين ثالثا، وذاكرين لأدلتهم ومناقشين لها رابعا، ومتعرضين، أخيرا، لبحث أشهر المسائل الفقهية المتخرجة عليها. ولذا، فنحن نحيل مريد التوسع في هذا

(1) العز بن عبد السلام: أبو محمد عز الدين بن عبد العزيز السلمي، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 11،12. ونبّه عليه الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت