فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 384

ثانيا: أن صيغة التحريم تتمتع بعموم امتثالي، بمعنى أنه يجب امتثال تحريم الميتة على كل شخص وفي كل زمان وفي كل مكان وفي كل حال إلى يوم القيامة إلا أن يرد دليلٌ مخصِّص كما حصل في حالة الاضطرار.

ثالثا: أن تحريم الميتة لَمَّا كان لعلة النجاسة ـ كما هو رأي الشافعية [1] ـ فإنه يحرم بمقتضى عموم هذه العلة تناول كل نجس كالبول والغائط وغير ذلك من النجاسات التي لم يرد بتحريم تناولها نصٌّ خاص.

فإذا عقِلت هذه الأنواع من العموم فاعلم بأن المقصود بقول الأصوليين بورود اللفظ العام على سبب خاص هو نوع واحد فقط من أنواع العموم هو العموم اللفظي. وذلك كأن يُسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن ماء بئر معينة، كبئر بُضاعة [2] ، فيقول: الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه. فهل يُحمل قوله: (( الماء ) )، وهو عام في القليل والكثير، على كل ماء قليلا كان أم كثيرا؟ أم يُحمل على الماء الكثير دون القليل؛ لأن سبب ورود اللفظ العام هو السؤال عن بئر بضاعة خاصة، وهي كانت ذات ماء كثير؟

فإذا تقرر ما سبق ترتب عليه ما يلي:

أ. يخرج عن محل النزاع ما عمّ بحكم عموم الامتثال سواء أكان عاما في اللفظ أم لا، كآية السرقة التي نزلت في سلمة بن صخر أو غيره، وآية الظهار التي نزلت في أوس بن الصامت، وآية القذف التي نزلت في قذفة عائشة وغير ذلك. فهذه الألفاظ العامة لا تُخصص بالأشخاص الذين تسببوا في نزولها، وذلك لأنه يكتنفها نوعان من العموم: أحدهما: عموم لفظي وهو يقتضي عموم حكمها في جميع السارقين والمظاهرين والقاذفين. والنوع الآخر: عموم امتثالي، وهو أيضا يقتضي عمومها في جميع الأشخاص الذين تنطبق عليهم في كل زمان ومكان وحال. وإذا كان النوع الأول من العموم قابلا لأن يُخص بالسبب في رأي البعض، فالعموم الثاني غير قابل لذلك بالإجماع. ومن هنا قال ابن تيمية فيمن يخصِّص مثل هذه الآيات بأسبابها من الأشخاص المعينين: (( هذا لا يقوله مسلمٌ ولا عاقلٌ على الإطلاق ) ) [3] .

(1) انظر: الشيرازي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي، المهذب، دار الفكر، بيروت، ج 1، ص 261.

(2) قال ياقوت الحموي: (( بُضاعة بالضم، وقد كسره بعضهم، والأول أكثر وهي دار بني ساعدة بالمدينة وبئرها معروفة فيها أفتى النبي، صلى الله عليه وسلم، بأن الماء طهور ما لم يتغير. وبها مال لأهل المدينة من أموالهم. وفي كتاب البخاري تفسير القعنبي لبضاعة نخل بالمدينة. وفي الخبر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أتى بئر بضاعة فتوضأ من الدلو، وردها إلى البئر، وبصق فيها، وشرب من مائها. وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من ماء بضاعة فيغسل فكأنما أنشط من عقال. وقالت أسماء بنت أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيعافون ) ). الحموي، معجم البلدان، ج 1، ص 442.

(3) نقله عنه، السيوطي، الإتقان، ج 1، ص 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت