فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 384

رضي الله عنها، في إرخاص النبي، صلى الله عليه وسلم، لفاطمة بنت قيس بمغادرة بيت مطلِّقِها. فعن عروة بن الزبير أنه قال لعائشة: (( ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت؟! فقالت: بئس ما صنعت!. قال: ألم تسمعي في قول فاطمة؟ قالت: أما إنه ليس لها خيرٌ في ذكر هذا الحديث. وعابت عائشةُ أشدَّ العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكانٍ وحْش فخِيف على ناحيتها؛ فلذلك أرخص لها النبي، صلى الله عليه وسلم ) ) [1] .

بهذا المثال، وهو لا يحتاج إلى تعليق، نكون قد أنهينا الكلام حول العنصر الثاني من عناصر مسألة تأثير السبب على دلالة الخطاب وهو دلالة الخطاب أو الخطاب نفسه، وبقي العنصر الثالث وهو التأثير.

فنقول: تناول التأثير ينبغي أن يكون في مقامين:

أحدهما: مقام تعداد أنواعه وأمثلتها. وهي لا تخرج عما أوردناه في هذه الدراسة من أنواع تأثير القرائن على دلالة النص من التأكيد والتكميل والتأويل والتفسير والترجيح.

والآخر: مقام مدى تأثير السبب الخاص على اللفظ العام. وهي مسألة حظيت بنقاش واسع لدى الأصوليين وتباينت فيها مذاهبهم وكثر فيها الأخذ والرد [2] . وسنكتفي في رسالتنا هذه بتحرير محل النزاع في هذه المسألة، فنقول: العموم نوعان: لفظي، وشرعي.

فأما اللفظي فهو ذو الصيغ اللفظية المعروفة كصيغ الجموع وأسماء الشرط والاستفهام وغير ذلك.

وأما الشرعي فهو نوعان: شرعي محض، وشرعي عقلي.

فأما الشرعي المحض، فهو عموم الأوامر والنواهي والأفعال في الأشخاص والأزمان والأماكن والأحوال، وهو ما يمكن تسميته بـ (( عموم الامتثال ) ).

وأما الشرعي العقلي، فهو عموم النص عن طريق التعليل والقياس، أو كما سماه الأصوليون: (( اطراد العلة ) )، أو قُل: (( عموم العلة ) ) [3] .

فلو أردنا للتمثيل أن نطبق هذه الأنواع الثلاثة من العموم على قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (المائدة:3) لوجدنا ما يلي:

أولا: أن لفظ (( الميتة ) )يتمتع بعموم لفظي؛ لأن المراد به جنس الميتة فيحرم بمقتضى هذا العموم أكل كل ميتة إلا أن يرد دليل مخصص كما حصل في حالة السمك والجراد.

(1) البخاري، الصحيح، (4911) ، كتاب الطلاق، باب قصة فاطمة بنت قيس.

(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 198 ـ 220. وابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 3، ص 177 ـ 186. والآمدي، الإحكام، ج 2، ص 258.

(3) انظر: الجويني، البرهان، ج 2، ص 648. والرازي، المحصول، ج 1، ص 355. وابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 2، ص 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت