فهرس الكتاب
والفعل ـ سواء المبتدأ، أو الوارد على سبب ـ ذو دلالة عامة في الزمان والمكان والحال، والمقصود بهذا العموم هو أن الأصل أنه يُشرع لنا، في كل زمان ومكان وحال، أن نقوم بما فعله النبي، صلى الله عليه وسلم، إما وجوبا أو ندبا أو إباحة، على الخلاف في دلالة الفعل الأصلية بين الأصوليين.
فإذا ورد الفعل على سبب تقيدت مشروعية هذا الفعل بالسبب فحسب. ومن هنا جعلنا الفعل النبوي هو أكثر النصوص تأثرا بالسبب، وذلك لأن دلالته تنحصر بالسبب الذي ورد عليه قولا واحدا، ولا يمكن تعميمها بمجرد دلالة الفعل بل لا بد من دليل خارجي كالقياس مثلا. فلو قلنا مثلا بأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، جمع بين الظهر والعصر بسبب السفر. فإن مشروعية الجمع بين الظهر والعصر تظل مقصورة على السبب الذي وردت عليه، وهو السفر، ولا يمكننا تعميمها إلى أسباب أخرى كالمرض أو المطر بمجرد النص المبيح للجمع بسبب السفر، بل لا بد من دليل خارجي يقتضي التعميم، كالقياس، وحينئذ يُنسب التعميم إلى القياس لا إلى مجرد الفعل.
وعليه يمكننا القول بأنه: إذا كان جمهور الأصوليين على أن العبرة إنما هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب في مجال الأقوال، فإن المذهب ينعكس في مجال الأفعال، أي أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم الفعل. وهاك هذا المثال الذي يوضح هذه القاعدة: عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: (( بينما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم. قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن جبريل، صلى الله عليه وسلم، أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا، أو قال أذى. وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما ) ) [1] .
في هذا الحديث عمل الصحابة بمقتضى عموم الفعل، أي بمقتضى قاعدة الإقتداء، فأرشدهم النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى أنه كان عليهم أن ينتبهوا إلى خصوص السبب الذي كان فعلُه، صلى الله عليه وسلم، من أجله، وهو وجود القذر في النعل. فالفعل، إذن، يُقصر على سببه، إلا أن يدل دليل على التعميم.
ويجدر القول هاهنا أن سبب الفعل قد يكون خفيا ـ كما في مثال خلع النعل آنف الذكر ـ أو قد يكون ظاهرا لكنه مشروط بشرط خفي، ولا ينتبه إلى ذلك بعض الناقلين له أو الناظرين فيه، فيحملونه على العموم مع أن مقتضاه الخصوص. ومثال ذلك ما قالته عائشة،
(1) أبو داود، السنن، (555) . كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل. وأحمد، المسند، (11443) . اختلف في وصله وإرساله ورجح ابن أبي حاتم الموصول وله أسانيد أخرى ضعيفة. انظر ابن حجر، تلخيص الحبير، ج 1، ص 278.