فهرس الكتاب
ذلك ابن القيم [1] ـ إلى أن العبرة في كلام الناس، لا سيما في الأيمان، إنما هي بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فقالوا بأن: (( من قامت امرأته لتخرج، فقال لها: إن خرجت فأنت طالق: أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم يحنث. وكذلك لو قال الرجل [لآخر] : تغدَّ عندي اليوم، فقال: إن تغديتُ فعبدي حر: أن هذا على ذلك الغداء بعينه، فإن تغدى عنده بعد ذلك لم يحنث ) ) [2] . (( وكذلك إذا حلف: لا دخلت هذه الدار، وكان سببُ يمينه أنها تُعمل فيها المعاصي وتُشرب الخمر، فزال ذلك وعادت مجمَعا للصالحين وقراءة القرآن والحديث، أو قال: لا أدخل هذا المكان؛ لأجل ما رأى فيه من المنكر، فصار بيتا من بيوت الله تُقام فيه الصلوات، لم يحنث بدخوله. وكذلك إذا حلف: لا يأكل لفلان طعاما، وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا ويأكل أموال الناس بالباطل فتاب، وخرج من المظالم، وصار طعامه من كسب يده أو تجارة مباحة، لم يحنث بأكل طعامه، ويزول حكم منع اليمين ) ) [3] .
والسبب في كون (( السبب ) )محكَّما في معنى اليمين هو أنه يُعد من أهم الكواشف عن نية الحالف، أي: عن مقصوده من اللفظ. قال بعض المالكية: (( المُقتضِياتُ للبر والحنث أمور:
الأول: النية إذا كانت مما يصلح أن يُراد اللفظ بها، سواء كانت مطابقة له، أو زائدة فيه، أو ناقصة عنه، بتقييد مطلقه، وتخصيص عامه.
الثاني: السبب المثير لليمين. يُتعرف منه، ويُعبر عنه بالبساط أيضا، وذلك أن القاصد لليمين لا بد أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها، فيكون المحرِّك على اليمين، وهو البساط، دليلا عليها. لكن قد يظهر مقتضى المحرِّك ظهورا لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهورُه وخفاؤه بالإضافة )) [4] .
4.وأما الفعل النبوي فهو نوعان: مبتدأ، ووارد على سبب.
فالمبتدأ: كما روي أنه، صلى الله عليه وسلم، جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر [5] .
والوارد على سبب، كزنى ماعز فرُجم، وسها النبي، صلى الله عليه وسلم، فسجد، وغير ذلك من الأفعال التي يُنقل فعلها عن النبي، صلى الله عليه وسلم، لأسباب خارجية تقتضيها.
(1) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 4، ص 104 وما بعدها.
(2) الجصاص، الفصول في الأصول، ج 1، ص 51،52.
(3) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 4، ص 106.
(4) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 4، ص 107.
(5) مسلم، الصحيح، (1151) ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر. وقد قدَّر بعض الفقهاء لهذا الفعل النبوي سببا هو المرض، وذلك للجمع بين الأدلة المختلفة في المسألة.