فهرس الكتاب
الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامةً بعد )) [1] . وقال ابن عباس، رضي الله عنه، لما سُئل عن آية السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38) أخاصٌّ أم عام؟ قال: بل عام )) [2] .
2.وأما القول النبوي فهو أكثر من القرآن تأثرا بأسباب الورود، وذلك تمشيا مع طبيعة السنة النبوية التي تعالج التطبيق والبيان والتفصيل لما جاء في القرآن مجملا وعاما، ولهذا قلَّ وجود تشريعات مبتدأة في السنة ليس لها أصل في القرآن. ومع أن السنة هي بهذا الوصف إلا أن طريقة نقلها لم تكن لتتجاوب مع طبيعتها. ومن هنا قلَّ نقل أسباب الورود في السنة، لا سيما إذا ما قورن ذلك بالقرآن الكريم، وجاءت الكثرة من الأحاديث مبتورة عن الأسباب وعن الأسيقة التي وردت فيها. ولذا كثر التعارض الظاهري بين الأحاديث، مما دعا الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، إلى تأليف كتابه الذي سماه: (( اختلاف الحديث ) ). وإنك لتجد الكثير من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، يؤيد كل فريقٍ منهم مذهبَه فيها بجملة من الأحاديث ويعارضهم الآخرون بأحاديث مخالفة. وترتب على هذا شيوع التأويل وكثرة ادعاء النسخ في السنة النبوية عند الفقهاء كمحاولة منهم للتوفيق بين الأحاديث المتعارضة. وإنك لتجد التأويل عندهم يبلغ ذروته عندما يعمد بعض الفقهاء إلى تقدير أو افتراض سبب معين ورد عليه الحديث من غير وقوفهم على هذا السبب عن طريق النقل. وخذ مثالا على ذلك قولهم في حديث أسامة بن زيد، رضي الله عنه، المبتور عن سببه وسياقه: (( لا ربا إلا في النسيئة ) ) [3] . فقد قال الغزالي، رحمه الله تعالى: (( رُبَّ تأويل لا ينقدح إلا بتقدير قرينة، وإن لم تُنقل القرينة، كقوله، عليه السلام: (( إنما الربا في النسيئة ) )؛ فإنه يُحمَل على مختلفي الجنس. ولا ينقدح هذا التخصيص إلا بتقدير واقعة وسؤال عن مختلفي الجنس. ولكنْ يجوز تقدير مثل هذه القرينة إذا اعتضد بنص [= قاطع] . وقوله، عليه السلام: (( لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء ) ) [4] نصٌّ في إثبات ربا الفضل، وقوله: (( إنما الربا في النسيئة ) )حصرٌ للربا في النسيئة ونفيٌ لربا الفضل، فالجمع بالتأويل البعيد الذي ذكرناه أولى من مخالفة النص )) [5] .
3.وأما القول البشري فتأثره بالأسباب المثيرة تأثرٌ بالغ جدا، لأن البشر في مخاطباتهم اليومية من طلاق ونكاح وبيع وشراء ويمين ونذر وتوكيل ... الخ لا ينزعون نزعة عامة؛: لخصوصية أغراضهم من جهة، ولقصور إدراكهم جميعَ ما يندرج تحت عموم اللفظ من جهة أخرى. ومن هنا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة ـ كما أوضح
(1) الطبري، تفسير الطبري، ج 2، ص 313.
(2) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج 1، ص 31.
(3) مسلم، الصحيح، (2991) ، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل.
(4) مسلم، الصحيح، (2970) ، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا.
(5) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 388.