فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 384

وأما الخطاب الوارد على سبب، فتأثُّر دلالته بالسبب يتفاوت قلة وكثرة بحسب نوعه. ونستطيع أن نرتب الأنواع الأربعة من الخطابات التي وصلنا إليها من حيث قلة تأثرها بالسبب الذي تَرِد عليه، من الأقل تأثرا إلى الأكثر تأثرا، على النحو التالي:

1.النص القرآني ثم 2.القول النبوي ثم 3.الخطاب البشري ثم 4.الفعل النبوي.

1.أما النص القرآني فهو الأقل تأثرا بالسبب الذي يرد عليه. وبدهيٌ أن قولي: الأقل تأثرا، لا ينفي التأثر من أصله. وسبب قلة التأثر هذه هي أن التأثر بالسبب إنما يصب، في الغالب، في صالح النزعة الخاصة المقتضية لِتَبْيِئَة النص والحد من عمومه الزماني والمكاني والحالي. والقرآن الكريم في تناوله للقضايا، حتى ذوات السبب الخاص، ينزع نزعة عامة في الأزمان والأماكن والأحوال. ولذا فهو، في الغالب، ذو دلالة إجمالية وعامة، ولا يخوض في التفاصيل، وهذا يقوي من النزوع العام فيه. ومن مظاهر ذلك أنك لا تجده يصرح بأسماء الأشخاص أو الأقوام أو البلدان، مع أن نزوله يكون لأسباب تتعلق بهذه الأمور الخاصة. ومن هنا كثرت الآيات ذات الصيغة اللفظية العامة، والتي قيل فيها، في الوقت نفسه، بأنها نزلت في فلان أو علان من الناس أو في قوم كذا أو في حادثة كذا. وخذ مثالا على ذلك: ما رُوي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: (( جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك. قال: فلم يَردَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، شيئا، فقام الرجل: فانطلق فأتبعه النبي، صلى الله عليه وسلم رجلا دعاه وتلا عليه هذه الآية [وفي رواية البخاري وغيره: فنزلت هذه الآية {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (هود:114) ] ، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة )) [1] .

ويؤكِّدُ هذا المعنى، أيضا، ما رواه ابن جرير الطبري عن أبي معشّر قال: (( سمعت سعيد المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إن في بعض الكُتُب: إنّ لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين. قال الله، تبارك وتعالى: أعليَّ يجترئون وبي يغترون؟! وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، جل ثناؤه، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله، عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة:204 - 205) فقال سعيد: قد عرفتُ فيمن أُنزلت هذه

(1) البخاري، الصحيح، (495) كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة. ومسلم، الصحيح، (4964) واللفظ له، كتاب التوبة، باب إن الحسنات يذهبن السيئات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت